إنّ الحاكم « هاستينكز » جاءني زائرا في حين تزويق باب المدخل من داري ، وكان المزوّق قد جمع أتوار التزويق الملونة و « فرشها » على مرقاة من درج الدار ، لينصرف بعد إتمام العمل ، فلم ينتبه الحاكم للتزويق اللعين ورفع مطرقة الباب ووسخ بالأصباغ قفازيه وكانا جديدين قشيبين ، فالتفت إلى المزوق غاضبا بفظاظة وسأله بصوت عنيف لماذا لم يحذره ولم يعلمه أنّ صفحة بابي قد زوقت قبيل إتيانه ، فأجابه العامل بعنف ذلك الصوت قائلا : فيم تستعمل عينيك إن لم تر ما هو بإزائك وتجاهك ؟ فأضحك جوابه المستر « هاستينكز » ، وفي دخوله إليّ أخبرني بحادثه الغريب ، فهذان الخبران الطريفان يكفيان في أن يصورا لقراء كتابي الحرية الّتي يتمتع بها الشعب في إنكلترا ، وتكون هذه الحرية أحيانا ممسوخة إلى إباحة وحشية وتحلل جاف ، ولكن المقننين الإنكليز يرون أنّ هذه الحرية المفرطة لا تؤدّي إلّا إلى شجاعة الأمّة .
وفي إنكلترا أيضا ليس للسيد أن يعاقب هو نفسه عبده مهما كانت جريمته ، ولا يستطيع إلّا طرده ، ثمّ محاكمته إلى القاضي باسطا له شكواه ، والخدم الإنكليز يأخذون جرايات جليلة جدا ، ويطعمون طعاما حسنا ، وينامون على فرش وسرر جيدة ، لا على أرضيات الحجر كما ينام الخدم في بلاد الهند ، ويكون لباسهم في الغالب أجود من ملابس سادتهم الّذين يفضلون في الأعم الأغلب الجوخ الساذج ، على حين أنّ خدمهم تلمع ضفائرهم ، ولا يوجب عليهم الحفد على أرجلهم وراء سادتهم كما هو العادة عندنا نحن الهنود ، حين يتنزه السادة فرسانا ، وإنّما يمتطي الخادم فرسا إذا كان سيّده ممتطيا ويسير وراءه ، فإن كان السيّد في عربة فالخادم معه في موضع منها أمام أو خلف ، وفي الصحف اليومية يسخر ناس بجراءة الطبقة المنحطة من الّذين يعلونهم في مراتب المجتمع أو يطعنون عليهم ، وفي اجتماعاتهم الشعبية حتّى مواضع التفرج يحدث أن يصفروا عليهم ويسبّوا كل شريف أو ظريف لا يعجبهم أو لم ينل مودّتهم والصور المسخيّة « 1 » « الكاريكاتورية » هي متعة أخرى للعوام ، فإنّهم يوجهونها في
هامش
( 1 ) أي السخرية . ( المترجم ) .