كانوا أمهر باستعمال السيف منهم باستعمال القلم اعتقدوا أنّهم يجدون في هذه الجملة رمزا إلى الطعن على الإنكليز لأنّ معناه أنّهم لم يرتضوا السلم إلّا لأنّهم كانوا مغلوبين ، وبسبب ذلك ابتدؤوا بتحطيم المصابيح ، وفوجئ المسيو أوتو بهذه السيرة النكيرة من الإنكليز فخرج إليهم واجتهد في أن أسمعهم قوله : إنّ كلمة « الاتفاق » لا ترمز أبدا إلى أحداث الحرب ، وإنّما هي مرادفة حق الرادف « الاتحاد والصداقة » فلم يقنعهم هذا الإيضاح ولم يهدأوا إلّا بوعده إيّاهم أن يستبدل بعبارته المقدم ذكرها هذه العبارة « السلم والصداقة » .
وإذ كنت مخفقا في هذه الجولة الصباحيّة عزمت على اقتحام الحظر والذهاب ليلا إلى الميدان لأرى تلك الإضاءة المزمعة ، وبين الساعة الحادية عشرة ومنتصف اللّيل خرجت من مثواي وحاولت سلوك طريق أوكسفورد ثانية ، ولكن محاولتي كانت من غير جدوى لكثرة ازدحام العربات والمشاة فيه ، فرجعت أدراجي ثمّ مرقت من درب عرضاني أفضى بي إلى طريق يؤدّي إلى الميدان المذكور آنفا ، وهناك اضطررت أن أتمسّك بسياج من القضبان الحديد ، فكنت من هناك أخطو خطوة أو خطوتين ، على حسب سنوح الفرصة ، حتّى وصلت إلى الموضع المراد ولكن الزحام كان جدّ عظيم بحيث مزقت ملابسي وفقدت عصاي . وكانت النّساء يصرخن صراخا مؤلما ، خوفا من الاختناق ، ولم يشفق عليهن أحد وأكثرهنّ فقدن قبعاتهنّ وأقراطهنّ وقلائدهنّ . وفي ملتقى الحوادث هذا رأيت من الصواب العود إلى مثواي ولكن يا للأسف فقد كان العود أعسر وأشق من التقدّم ، على أنّي بعد بذلي صادق مجهودي استطعت أن أنفذ إلى زاوية من الميدان ، في حيث أكون أضمن للراحة فصمّمت على الانتظار لأنسلّ حتّى يقلّ عدد المتفرجين ، ثمّ رجعت أخيرا بعد أن أعطيت نفسي سؤلها من رؤية إضاءة المسيو أوتو ، تلك الإضاءة الّتي ظهر لي بعد كل هذا أقل تألقا وإشعاعا من إضاءة المستر هوب في ميدان كافنديش .
إنّ أصحاب دكاكين لندن وتجارها ، في الأعم الأغلب ، مؤدبون مهذبون ، آدابهم جدّ سامية ، بحيث لا يتفق لهم أن يجيبوا المبتاعين بخشونة ، وإن كانوا عسرين ومزعجين وقد حكي لي أنّ رجلا ظريفا دخل
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 118
مساهمون: حاجي محمد بيك خان
ص١١٨