أخبر بك يا حمص ، ثم إنهم قشّروه ، وعملوا معه عمل رماة البندق ، حتى رموه في وسط الموجلة ، وقرعوا من كل أحد وخلّوه لهم مشغلة ، وما رئي من الريحة الحمص إلا الصارخ ، ولا عرفوا قدره إلا بالكسرة فحصّلوا القدرة ، وقدموا النافخ ، وقد مضى عليه زمان وهو كبير الجماعة وجائل القدر بينهم ، قبل أن يأكلوا الحمص بينهم هذا الأكل من المجاعة ، وما فطن لهم ، وقد حطبوا عليه هذا التحطيب فرّط ، وأوقدوا جمرته وغطوا عليه القضية حتى طخوا « 1 » قدرته ، وصادفوا كل الطير بمعاداته ، واستراحوا من الملق بابطال عاداته ، وقد زمن المسكين من طول القعود ، وندس لما لم يخرج إلى البرزات في الربيع ، وقد دب الماء في العود ، وقد قتله طول الاختشاء ، وذهب عمره وما سرّ له قلب في وجه صباح ، ولا وجه عشاء ، وكلما أراد أن ينطق ، قيل له اسكت لا تتكلم ، واستمرّ قاعدا مكانك لا تتقدم ، والمذكور له منذ طار بجناح المولى نجاح ، وقد أصيب وله سوابق ، فيحمل بالسبق وبالجناح ، وقد آن لهذا الزّمن المقعد أن يقف على قدمه ، ولهذا الطير المذبوح بلا سكين أن يسكن مما يتخبط في دمه ، وسيقف مولانا على ما يرد من الجواب ، وما فيه وارد ، ويرى كيف [ ص 220 ] تجمعت الرماة عليه ورموه عن قوس واحد « 2 » ، ويعوزه عناية تمد لها هذه الطيور أعناقها ، وتعجل له من أحواله المسترقة أعناقها ، وذلك بجمع يجمع بالديار المصرية ، بحضرة الإمامة ، ومكان لا يغمّ على أحد فيه إلا أوقات الهجير ظل الغمامة ، فقد ضجر هذا الذاهب المهجر في حب البندق ، مما يصبر ومما يؤجر ، وقد يبس قوسه ، وصار حطبة مما هو مفكوك ما يوتر ، وهو مما لا ينقلب من غير مرامي البندق إلى أهله مسرورا ، وممن يهون عليه إذا أخذ قوسه أن يفقد عينيه ويكون موتورا ، وقد قنع من المملوك بالشفاعة ، وبان يتلطخ بندقه بالدم ويقنع
هامش
( 1 ) طخوه : رموه وأبعدوه .
( 2 ) القوس : تذكر وتؤنث ، والمؤلف يميل إلى التذكير ، والتأنيث أولى فأكثر ورودها في الشعر مؤنثة .