تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
ومروان من لدن معاوية إلى آخر أوان . كان معاوية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاتب الوحي منذ أسلم ، ثم كانت له منزلة قريبة وصلة بأم حبيبة ، أسلم يوم فتح مكة ، وفتّ في مهاب الكفر شركه ، وكان يقول إنه أسلم من قبل ، وإنما كان يكتم إسلامه ويظهر لأبيه مطاوعته واستسلامه ، وإنما هي دعوى الله أعلم بغيبها ، وأحكم بما فيها جلاء ريبها ، وإنما إجماع المحدثين والقديمين والمحدّثين على أنه هو وأبوه وأخوه وذووه من مسلمة الفتح قولا ثبتا ، وقطعا بتا ، طلقاء الفتح ، وعتقاء الصفح ، أخذ العباس رضي الله عنه لأبي سفيان الأمان ، وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبل إسلامه على ما كان ، وكرّمه بأمور منها أنه كل من دخل دار أبي سفيان على ما تقدم من السيرة ، ثم كانت إلى الله السريرة ، فأما الظاهر فإنهم من المؤلفة قلوبهم ، والمؤلّبة على أول الإسلام وآخره حروبهم ، وكان معاوية رضي الله عنه كثير السؤدد لا يخف كالجبل القردد « 1 » بحر لا يدرك قراره ، وطود لا يدهك « 2 » وقاره ، وفحل لا يرد نفاره [ ص 222 ] ، ومنصل لا يحد غراره ، طبع الحلم فيه غريزة ، ووضع السداد فيه نحيزة « 3 » ، ولم يكن أوسع منه بطانا ولا أمنع منه سلطانا ، لا يؤثر ذنب في غزير حلمه ، ولا يؤاخذ مسيئا بكبير جرمه ، لو أن أمله في النجم لبلغه ، أو في اليم لسوغه ، بحيل أصيد من الفخاخ ، وأجول في الفضاء من الرخاخ « 4 » ، بتلطف لو أراد لتشرب في مسام الزجاج ، وعذب به مذاق البحر الأجاج ، أمّره أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه
هامش
( 1 ) القردد : المستوي الغليظ المرتفع . ( 2 ) دهك : كسر وطحن . ( 3 ) النحيزة : الطبيعة . ( 4 ) الرخاخ : جمع الرخ ، وهو طائر خرافي بالغ القدامي في وصفه ، وبه سميت قطعة من قطع الشطرنج .