تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
من أبيه يأمره بالخير ، وأشار عليه ألا يستنجد بالفرنج ، فقال : دعني من رأيك فإنني أخاف ألا أملك ، فقال له : أن تهلك وأنت وحدك خير من أن تهلك أهل مصر كلهم ، وكذلك قتل ابنه احرطي الملقب بالمعظم ، وأخوه فارس المسلمين ، وطيف برءوسهم على الرماح ، وخلع على شيركوه بالوزارة في سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمس مائة ، وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من رجب منها ، ثم وزر بعده صلاح الدين يوسف ، ثم قطع خطبة [ ص 71 ] العاضد بعدها ، وخطب للمستضىء ، ولم يعش العاضد بعدها إلا أياما يسيرة ثم مات ، ومشى صلاح الدين وعليه طيلسان وعمامة في الجنازة ، وقعد للعزاء وبكى بكاء لم يشف به الحزازة ، فإنه ندم على ما كان من خلع رداء تلك الدولة خوفا من نور الدين لا يقصده ويطلب ما يحتج به فلا يجد ما كان يجد بالعبيديين من الحجة في ملاواته « 1 » والتستر بهم من سهام مناواته ، ثم كان يقول : لو علمت بسرعة أجله ما روعته بالخلع ، واختلف في موته ، فقيل : إنه علم بالخلع فسمّ نفسه ، والجمهور على أنه كان عليلا وأخنى عنه ضر الخلع ، ومات حتف أنفه ، وأخذ أهل القصر وحبسوا ، وفرّق بين الرجال والنساء قطعا لنسلهم واجثاثا « 2 » لشجرتهم الخبيثة من أصلهم ، وكانت مدة ملكهم منذ فتحوا مصر إلى أن خلع العاضد مائتين وخمس عشرة سنة ، وكان صلاح الدين يشكر العاضد ويصف كرمه ويقول : استمددته بمال لسداد دمياط فأمدني بألف ألف دينار من العين والعروض ، وكان لا يزال يتذكره ويتندم على فعله ، حيث لا يمكنه استدراك الفارط ، ولا يقدر على استرجاع الفائت ، ومرّ عمارة بالقصر « 3 » فرآه خاوي الأركان خالي الأقطار من السكان ، وكان يعهده لسجود
هامش
( 1 ) ملاواته : مخالفته ومماطلته . ( 2 ) في الأصل : اخثاثا ، والصواب : اجثاثا ، أي قطعا واستئصالا . ( 3 ) هو عمارة اليمني ، وقد مرت ترجمته .