تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
إنّ الغناء الذي قد كان يطربني * بكم وينشي مسراتي وأفراحي
هو الذي صار ينشي بعد بينكم * حزني ويجعل دمعي مزج أقداحي
ثم أصبح وهو ما هو عليه من الجماح ، وأصحر وقد غنّت ذوات الجناح ، فجعل يبكي ويقول : [ الكامل ]
أعلمت أنّ الورق بعدك ساعدت * أهل الهوى بالنّوح والأحزان
وبحقّها ناحت عليك لأنّها * فقدت قوامك في غصون البان
وحكي أنّه جلس مرّة بالمسجد الجامع ، وقد أجاب داعي مؤذّنه السّامع . فلما فرغ من أداء ما وجب ، وجلس إليه رجل يقرأ كتابا ويظهر العجب . فلما امتدّ في ذلك الطّلق ، ولم يفه لسانه ولا نطق ، فقال له : ممّ تعجب ، ولم تتخفّى السّماء وتحجب ؟ فقال : إنها درعيات أبي العلاء ، ودرّيّات ذلك اللألاء . فقال : اقرأها عليّ ، وهاك ما لديّ . فقال : لا والله حتى أترح عليك وإلّا ( 142 ) فاطرح وإليك ، فقال على لسان الدّرع : [ الطويل ]
هنيئا لمن يأوي إليّ فإنّه * يلوذ بحصن لا يرام حصين
وألبسه في الرّوع ثوب سلامة * وألقى الرّدى عن نفسه بعيون
وحكى أنّه دعاه بعض الرؤساء إليه في ليلة باردة ، أصبح منها بطن الأرض مقشعرّا ، وظهر الرّوض من الزّهر قد تعرّى ، والجليد قد أقلّ حيل الجليد ، والبرد قد نهك الحديد ، فسار على كره منه وغيظ لم يثنه ، حتى أتى مجلسا أمامه بحرة لو جاراها البحر لجارت ، أو أطلقت فيها أزمّة السّفن لسارت ، ترمي فيها فواره كإنسان يتشهّد في الماء ، أو عمود فضّة يقيم خيمة السّماء . فقال له ذلك الرئيس : هل قلت في ليلتك هذه شيئا ؟ فقال : نعم . فقال : ما هو ؟ . فأنشده : [ الوافر ]