تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
على فوات فيضها ، فأصبح كلّ منهم ممتلئ الصّرة على فراغ الجنان مثنيّ الحقيبة على سكوت اللسان ، فهي الرتبة العالية قرّبت درجاتها للمرتقين ، والجنة العاجلة أزلفت طيّباتها للمتقين . ومنه : وهذا حين أسوق صدر الكتاب إلى العجز ، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز . وكنت على ألّا أوارد الثّعالبيّ في يتيمته ، ولا أزاحمه في كريمته ، إلّا ما تجذبني شجون الأحاديث إليه ، فأفرغ كلامي عليه . ممّن رأيته فكان لقاؤه لعيني كحلا ، أو سمعت به فكانت أخباره / 425 / لسمعي نحلا ، ولولا تكرار الكؤوس لما استقرّت الأطراب في النفوس ، ولا استقلّت صبابة الخمار عن الرؤوس ، والحياة على حسن مساقها وطيب مذاقها ما جاوزت النّفس إلا ودّت معاده ، وحبّها لكلّ من الحيوانات عادة . حتى إنّها لا تملّ إذا كرّرت عليها ، ولا تكره إذا ردّت إليها ، فإنّ في الزّوايا منهم بقايا ، قد أرخي لهم إلى عصرنا هذا طول البقاء ، وبقي ممّا أسأرته « 1 » شفاه الفناء ، صبابة في قعر الإناء ، وأنا إذا على ذكر شعراء العصر جريدة فريدة ، ثم انتهيت إلى مكانهم منها ، فأسقطت شذورهم من النّظام ، وطفرت إلى من وراءهم طفرة النظّام ، لمن آمن أن يقال : هذا رجل ضيق العطن ، قصير الشّطن ، قليل الثّبات ، نزق الوثبات ، يتخطّى رقاب الأحياء إلى رفات الأموات والوجه يملكه الحياء ، وما يستوي الأموات والأحياء . ومنه : وألّا أستعير من تلك الحقائق حليّا ، ولا أن أرعى من تلك الرّياض خليّا ، واقتصر من ذلك الأديم على مقدود من السّير ، وأسلو بغثيّ عن ثمين الغير ، فالضّرغام على اقتضاض مضجعه من الرّغام ، لا يفترش غير إهابه عند المنام ، وسينقل إليك من فرائد أشعارهم من جوّد نقلها أو لم يجوّد ، ويأتيك بنوادر أخبارهم من زودته أو لم تزوّد . وما كلّ من نشر
هامش
( 1 ) أسأرته : أبقته ، والسؤر : بقية الشيء في الاناء .