تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
أمري رشدا ، وثمّر لي من طول معاناة المخض زبدا ، وتحقّق لي كلّ ظن بما تجمّع لي من كل فنّ ، فكأنّ الأرض ذلّلت لي على امتناع جوانبها ، فمشيت في مناكبها ، وزويت لي الفضلاء من مشارقها ومغاربها ، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم ، قبلّي من اللواقح السواحب ، ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي من السوافح النوافخ في صور رعدها على الرّوضة الهائجة إنشارا لنباتها . فلله سلّم فيه ارتقيت وأعيان بهم التقيت ، ونجوم بأيّهم اقتديت اهتديت ، وإن لم يتيسّر الوصول إليها والفراغ / 424 / منها ، إلّا وقد وخط القتير ، وطلع النذير ، وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشّعر ، فخلّى الفود مشتعلا والفؤاد مشتغلا ، وأضاف الذّود إلى الذود فصارت إبلا . ومنه في تقريظه لبعض من لقيه « 1 » : عهدته بها وبنانه ضرّة المزن في السخاء ، ولسانه خليفة السيف في المضاء . فهؤلاء سادات من عظام الصّدور وصارت صدورهم عظاما ، وكبار من هامات الرؤوس أطارت رؤوسهم هاما : [ الطويل ]
ربا حولها أمثالها إن أتيتها * قرينك أشجانا وهنّ سكون
. وقد بعثرت من دفائنهم ما تعظم أخطاره عند أولي المروءة ، وملكت من خزائنهم ما إنّ مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة ثم نقف منهم على أطلال الماضين نترسّمها ، ولا نكاد نعيّنها إلّا أواريّ « 2 » لأيا ما أبيّنها ، فنباكي حمام الأيك شجوا ، ونصوغ على وزان أسجاعها شدوا . ومنه وما أشبّه ذلك الفاضل إلّا بخصب ورثناه في رحالنا من أمداد سيول غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها ، أو بعنبر دسره « 3 » إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت فتلّهفنا
هامش
( 1 ) هو أبو بكر القهستاني ، وقد مرّت ترجمته . ( 2 ) الأواري : جمع أورة ، وهي الحفرة التي يتجمّع فيها الماء . ( 3 ) دسره : دفعه .