تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق ، خيام أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام ، أو أباريق فضة رؤوسها لها فدام ، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام ، وكأن رقابها رماح أسنتها من ذهب ، أو شموع أسود رؤوسها ما انطفأ ، وأحمره ما التهب ، وكنا كالطير الجليل عده ، وكطراز العمر الأول جده : [ الكامل ]
من كل أبلج كالنسيم لطافة * عف الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعمرها * عددا ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها ، والأهلة في نحافتها وتكوينها ، والأزاهر في ترافتها وتلوينها ؛ بطونها مدبجة ، ومتونها مدرجة ، كأنها الشولة « 1 » في انعطافها ، أو أرواق الظباء « 2 » في التفافها ، لأوتارها عند القوادم أوتار ، ولبنادقها في الحواصل أوكار ، إذا انتصبت لطير ذهب من الحياة نصيبه ، وإن ينصب لرمي بدت لها أنه أحق بها من نصيبه ، ولعل ذاك الصوت زجر لبندقها أن يبطئ في سيره ، أو يتخطى الغرض إلى غيره ، أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها ، أو أسفا لخروج بنيها عن يدها ، على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء ، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء : [ البسيط ]
مثل العقارب أذنابا معقدة * لمن تأملها أو حقق النظرا
إن مدها قمر منهم وعاينه * مسافر الطير فيها وانبرى سفرا
فهو المسئ اختيارا إذ نوى سفرا * وقد رأى طالعا في العقرب القمرا
ومن البنادق كرات متفقة السرد ، متحدة العكس والطرد ، كأنها خلطت من المندل الرطب ، أو عجنت من العنبر الورد ، تسري كالشهب في الظلام ، وتسبق
هامش
( 1 ) الشولة : ما تشوّل العقرب من ذنبها . ( القاموس ) ( 2 ) أرواق الظباء : قرونها .