في طلب الصيد على مواصلة السرى ، ومقاطعة الكرى ، ومهاجرة الأوطار ، ومهاجمة الأخطار ، ومكابدة الهواجر ، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر ، وذلك من محاسن أوصافهم التي يذم المعرض عنها ؛ وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب ، فهذه صورة لعب يخرج إليه منها ، وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق ، وتحدوهم في سلوك طريقهم مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق ، فيعتسفون إليها الدجى إذا سجى ، ويقتحمون جرف النهار إذا انهار ، ويتنعمون بوعثاء السفر في بلوغ الظفر ، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر ، ويؤثرون السهر على النوم ، والليلة على اليوم ، والبندق على السهام ، والوحدة على الالتئام .
ولما عدنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه ، وشرح له قديم أمره وحديثه ، تقنا إلى أن نشفع صيد السوانح برمي الصوادح ، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلة القسي ما تفعل الجوارح ، تفضيلا لملازمة الارتحال ، على الإقامة في الرحال ، وأخذا بقولهم : [ البسيط ]
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة * إلا التنقل من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها ، وتشير من الأفق الغربي إلى جانب رمسها ، وتغازل عيون النور بمقلة أرمد ، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد « 1 » ، فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق ، أو عليل يقضي بين أصحابه بقايا مدة الرمق ، وقد اخضلت عيون النّور لوداعها ، وهم الروض بخلع حلّته المموهة بذهب شعاعها : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) من قول النابغة الذبياني : [ ديوانه 35 ]نظرت إليك بحاجة لم تقضها * نظر المريض إلى وجوه العود