وقد كان العرب على جهلها بالقلم وخطه ، والكتاب وضبطه ، تصرف إلى التواريخ جل دواعيها ، وتجعل له أوفر حظ من مساعيها ، فتستغني بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها ، وتعتاض برقم صدورها عن رقم مسطورها ، كل ذلك عناية منهم بأخبار أوائلها ، وإبانة فضائلها ؛ وهل الإنسان إلا ما أسسه ذكره وبناه ؟
وهل البقاء بصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه ؟ .
ومنه قوله :
الخادم يعود المولى من شكاة جسمه ، والناس يعودون الخادم من شكاة همه ؛ وإذا مرض المولى المنعم سرى مرضه إلى عبيده وخدمه ، فهم مشاركوه في اسم مرضه ، وإن خالفوه في صورة ألمه ؛ وقد تمرض أرواح المرض أجساد ، ويشتركان في كل شيء حتى في عيادة العواد .
ومنه قوله في السير :
ولقد سرت مسير الأخبار ، وأخذت بمطالع الليل والنهار ، حتى عدمت رفقة ورفقا ، وصيرت للغرب غربا وللشرق شرقا .
ومنه قوله :
إذا وقفت بالدار تسائل أحجارها ، وتبكي آثارها ، فإنك لا تبكي التراب ، بل الأتراب ، ولا تندب الآثار الحائلة ، بل الأحباب الزائلة ، ولا فائدة في سلامك على الطلل الذي لا يعي خطابا ، ولا يرد جوابا ، فإنما تخاطب أصداء لا تملك إعادة ولا إبداء ؛ وإذا شغلت نفسك بسؤال التراب والجندل ، فلا فرق بين سؤال من لا يجيب ، وجواب من لا يسأل .
ومنه قوله قريب منه :
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 294
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٢٩٤