تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
فهو لا يزال منكرا غير معروف ، فإما زائد لا حاجة إليه وإما محذوف . ومنه قوله : السر أمانة لا تباع ، ووديعة لا تضاع ؛ فالعين تكاتم القلب فيها ما تبصره ، والقلب يكاتم اللسان ما يضمره ، وإذا حوفظ على السر هذه المحافظة ، فقد ألقي في مهولة لا يرام اطلاعها ، ونيط بصخرة أعيا الرجال على كثرة المحاولة انصداعها . ومنه قوله في قتال قوم كانوا بجبل ، ثم نزلوا فهزموا : وبعد ، فإن العساكر ركبت لارتياد موقف الحرب ، واختيار المصعد السهل في الجبل الصعب ، لتكون على بصيرة من أمورها ، ولتأتي البيوت من أبوابها لا من ظهورها ، فانبسطت كتائبها في كل منخفض ومنحدر ، ومزلزل ومستقر ، فحينئذ نفخ الشيطان في أنفه وساقه إلى حتفه ، فبرز بمن قبله من الجنود ، ونزل عن قلل الأوعال إلى مصطحر الأسود ، وكان حزن الخطب في أحزانه ، وتباعد مناله في تباعد مكانه ، فلما أسهل أسهل النصر في طلبه ، وأمكن يده من سلبه ؛ لا جرم أنهم ردوا على الأعقاب ، ونسفوا نسف الريح السحاب ، فلم يكن لهم سلاح أوقى من الفرار ، ولا عاصم إلا الجبل الذي عصم من طوفان السيف وما عصم من طوفان العار . ومنه قوله : وثار بين أيدينا سرب ظباء مدرب على القنص ومقانصه ، عارف بغوائله ومخالصه ، وقد طرق مكانه حتى لم يهن بمرتعه ومشرعه ، ولا أمن نبوة مصرعه ، وكبس منه ما تمتع برؤية أشباهه من الفرقدين ، ولم ينس الفجيعة بإلفه الذي خر