تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
لفمه واليدين ، فلما أحس بنا طار خيفة حتفه ، وكاد أن يخلف ظله من خلفه ، فأرسلنا عليه سلس الضريبة ، ميمون النقيبة ، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبة ، كأنما ينظر من جمرة ، ويسمع من صخرة ، ويطأ من كل برثن على شفرة ، وله إهاب قد حيك من ضدين بياض وسواد ، وصور على أشكال العيون ، فتطلعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد ، وهو يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته ، ويسبق الفريسة فلا يقنصها إلا عند التفاته ، وقد علمت الظباء أن حبائلها في حبل ذراعه ، وأن نفوسها مخبوءة بين أضلاعه ، فلم يكن إلا نبضة عرق ، أو ومضة برق ، حتى أدرك عقيلة من تلك العقائل ، فأناخ عليها بكلكله ، ووقف بإزائها ينتظر وصول مرسله . ومنه قوله : والتاريخ معاد معنويّ يعيد الأعصار وقد سلفت ، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت ، ويستفيد به « 1 » عقول التجارب من كان غرا ، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلم جرا ، فهم لديه أحياء وقد تضمنتهم بطون القبور ، وعنه غيب وقد جعلتهم الأخبار في عدة الحضور ؛ ولولا التاريخ لجهلت الأنساب ، ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب ، وكذلك لولا [ التاريخ ] لماتت الدول بموت زعمائها ، وعمي عن الأواخر حال قدمائها ، ولم تخطّ علما بما تداولته في الأرض من حوادث سمائها ؛ ولمكان العناية إليه لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة ، فمنها ما أتى بأخباره المجملة ، ومنها ما أتى بأخباره المفصلة ، وقد ورد في التوراة في سفر من أسفارها ، وتضمن تفصيل أحوال الأمم السالفة ومدد أعمارها .
هامش
( 1 ) في الأصل : وعفت به ويستفيد عقول . . .