تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
فحضرت باب الرشيد يوما ، فقيل لي : إنه نائم ، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى ، فقال لي : ما الخبر ؟ فقلت : أمير المؤمنين نائم ، فقال لي : قف مكانك ، ومضى إلى دار أمير المؤمنين وخرج إليه الحاجب فأعلمه بأنه نائم ، ورجع فقال : صربنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقية يومنا ، وأغنيك وتغنيني ، ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا ، فقلت : نعم ، فصرنا إلى منزله ، فنزعنا ثيابنا ودعا بطعام فأكلنا ، وأمر بإخراج الجواري وقال : لتبرزن ، فليس عندنا من تحتشمنه ، فلما وضع الشراب ، دعا بقميص حرير فلبسه ودعا بخلوق « 1 » فتخلّق به ، ثم دعا لي بمثل ذلك ، وجعل يغنيني وأغنيه ، حتى دعا بالحاجب وتقدم إليه ، وأمره بأن لا يأذن لأحد من الناس كلهم ، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه بأنه مشغول واحتاط في ذلك ، وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدم ، ثم قال : إن جاء عبد الملك فأذنوا له ، يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته ، ثم أخذنا في شأننا ، فوالله إنا لعلي حالة سارة عجيبة ، إذ رفع الستر ، فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل ، وغلط الحاجب فلم يفرق بينه وبين الذي عناه جعفر [ ص 189 ] بن يحيى ، وكان عبد الملك بن صالح من جلالة قدره والتقشف والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل ، وكان الرشيد قد اجتهد به أن يشرب معه أقداحا ، فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه ، فلما رأيناه مقبلا ، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه ، وكاد جعفر أن ينشق غيظا ، وفهم حالنا ، فأقبل نحونا ، حتى إذا صرنا بالقرب منه ، وصار إلى الرواق الذي نحن فيه ، نزع قلنسيته فرمى بها مع [ طيلسانه ] « 2 » جانبا ، ثم قال : اطعمونا شيئا ، فدعا له جعفر بالطعام ، وهو منتفخ غيظا وغضبا ، فطعم ، ثم دعا برطل فشربه ، ثم أقبل إلى
هامش
( 1 ) الخلوق : ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران . ( 2 ) في الأصل : ( مع فلنسيته ) .