تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه ، وجواري وجواريه الخصومة ، كما تجري بين هذه الطبقات ، فيشكونهم إليه ، فأتبين الضجر في وجهه ، فاستأجرت دارا واسعة ، فلم أرض ما معي من الآلات لها لمن يدخل إليّ من إخواني ، أن يرى مثله عندي ، وفكرت في ذلك وكيف أصنع فيه ، وزاد فكري حتى خطر بقلبي فتح الأحدوثة من نزول مثلي في داره بأجرة ، وإني لا آمن في وقت أن يستأذن « 1 » عليّ ، وعندي بعض الرؤساء والأصدقاء الذين احتشمهم ولا يعلمون حالي ، فيقال : صاحب دارك ، أو يوجه في وقت فيطلب أجرة الدار وعندي من أستحشمه ، فضاق بذلك صدري ضيقا عظيما : حتى جاوز الحد ، فأمرت غلامي بأن يسرج لي حمارا كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها ، مما دخل إلى قلبي ، فأسرجه وركبت برداء ونعل ، فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطرق التي أسلك فيها ، وهجم بي على باب [ ص 178 ] يحيى ابن خالد ، فوثب غلمانه إليّ وقالوا : أين هذا الطريق ؟ فقلت : إلى الوزير ، فدخلوا فاستأذنوا وخرج إليّ الحاجب فأمرني بالدخول ، وبقيت خجلا ، قد وقعت في أمرين قبيحين ، إذ دخلت عليه برداء ونعل ، وأعلمته أني قد قصدته في تلك الحال كان سوء أدب ، وإن قلت له أين كنت مجتازا ولم أقصدك فجعلتك طريقا ، كان قبيحا ، ثم عزمت على صدقه ، فلما رآني تبسم وقال : ما هذا الزي يا أبا محمد ، احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد ، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقا ، فقلت : لا والله أيّها الوزير ، ولكني أصدقك ، قال : هات ، فأخبرته بالقصة من أوّلها إلى آخرها ، فقال : هذا حق مستو ، أفهذا شغل قلبك ، قلت : أي والله ، وزاد فقال : لا تشغل قلبك بهذا ، يا غلام : ردوا حماره ، وهاتوا خلعة ، فجاؤوني بخلعة من ثيابه تامة فلبستها ، وجيء بالطعام
هامش
( 1 ) أي صاحب الدار .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 298 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام