تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
قلت : ويحكى أنه سمّ نفسه فمات ! . حدثني الحكيم أمين الدين سليمان بن داود المتطبّب قال : كان الملك الصالح قد أعطى ابن البيطار ألف دينار لينفقها على أثمان أدوية دعت إليها حاجته ، واجتناء حشائش شامية ورومية ، فلما أتى بيت المقدس رأى امرأة نصرانية اسمها مريم ، فأحبّها وأنفق عليها ذلك المال حتى أنفده وأهمل حاجة الملك الصالح ، فلما قدم الملك الصالح إما قال : القدس ، أو قال : دمشق ، لم يكن لابن البيطار دأب ليله أراد الصالح يدخل البلد في صباحها إلا أنه أحضر النصرانية ، وبات معها في أكل وشرب واستماع غناء واستمتاع حتى كان الثلث الآخر فأخرج حشيشة معه فسحقها في هون ثم استفها ونام ، وقال : غطوني ، ثم إذا أصبحتم لا تسحقوا شيئا في الهون حتى تجيدوا غسله فإنه قد صار مسموما ، فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميتا ، ففهموا ما كان قاله ، وغسلوا الهون ، فلما دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصة فقال : لقد أساء بنا الظن وأين مثله لأشتريه بشطر ملكي ، والله لو علمت لأعطيته عشرة آلاف دينار يصرفها في لذته ، وكان أمتعنا بنفسه . قلت : ويحكى أنه ترك عقاقير كثيرة ومفردات عدة لم يذكرها في كتابه الجامع ضنا بها ، وبخلا على غيره بمعرفتها . قال لي الحكيم صلاح الدين ابن البرهان : كان ابن البيطار يعرف مما يدخل في علم الكيمياء أشياء لم يذكره في جامعه . قلت : وابن البرهان كان مغرى بالكيمياء ، مصدقا بعلمها وإن كان لا يعملها بيده ، ولهذا أظنه قال ما قال : [ الوافر ]
وكل يدعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاك
2