تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
مجرية « 1 » ، رآها فما خافها ، وهي تسطو بأنياب وأظفار ، وتهول مثل الليل بلا أسفار ؛ فنبحت عليه نباحا ظنّ به أن الجبال عليه قد أطبقت ، أو الجيوش به قد أحدقت ، فامتشق سيفه وخطا إليها وقدّم قدمه ، وأقدم عليها ، ثم دهش للخوف من بأسها ، فأضلّها ، وإنما أصاب بالسيف جروا لها . فقال أبو القاسم : [ البسيط ]
يا معشر النّاس إن الحيص بيص أتى * بفعلة أورثته الخزي في البلد
هو الجبان الذي أبدى شجاعته * على جريّ ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت : * دم الأبيلق عند الواحد الصّمد
أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه ، وذا ولدي
وكان المقتفي حين بويع شيخا قد علت سنّه واحد ودب غصنه ، ووزيره ابن الهبيرة من علم زهاده ، ومداومة درس ، وعباده . وكان أبو القاسم يستطيل مدتهما ، ويكره بأسهما الذي لا يلين ، وشدّتهما ؛ فجلس يوما المقتفي وابن هبيرة واقف أمامه ، ومصرف زمانه هذا ، وقد استثقل أبو القاسم طول أيامهما ، وامتداد دوامهما ، فقال : [ السريع ]
يا معشر الناس ! ، النفير النفير * قد جلس الهردب « 2 » فوق السرير
وصار فينا آمرا ناهيا * وكنت أرجو أنه لا يصير
فكلّما قلت : قذى ينجلي * وظلمة عما قليل تنير
هامش
( 1 ) : قوله " مجرية " أي لها جراء ، وهي صغار الكلاب . ( 2 ) : الهردبّ والهردبّة : الجبان الضّخم ، المنتفخ الجوف الذي لا فؤاد له ؛ وقيل : هو الجبان الضّخم ، القليل العقل . والهردبّة : العجوز . أ