تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
الأرض وطنها . ومنذ قدمها خوطب بالإمام ؛ ومع هذا ممّا تأبّى عن لقاء الأعلام . ولم يكن يقصر بجناح إلى تمام يقع في الأوهام ؛ وإنما أراد الزيادة بما يحصل باقتداح الأفهام . ومنذ ذاك الطلبة إلى إفادته ومن حياض آفاته تكرع ؛ حتى انتشر مددهم في البلاد انتشار الصباح ، ونظر أهل الشغف بالعلم من كتبه ما ينظر في الوجوه الصباح . وهو الآن نفع الله به هودج اللآلئ الذاهبين وكنز الطالبين . كل الطلبة من عشبه درجوا ومن نبت دواسته خرجوا ، وبشذاه أرّجوا ، وبسناه سقوا عطاء الإفهام وفرجوا ، وبشهاب توفيقه أدلجوا ، ومن أثواب تصنيفه إلى العلم ولجوا . وأنا ممن قرأ عليه ، وتشرفت لّما مثلت لديه . وأمّا تصانيفه فسارت أوقار الإبل ، وأما تفريقه للأدب بشيء عليه جبل . إن شعر أخفى ابن خفاجة ، أو نثر كثم « 1 » خصاله ابن أبي الخصال وأطفأ سراجه فإذا نحا من شبه سيبويه ، وإذا تكلّم في اللغة محا ابن سيده ما أحكم في المحكم وضرب عليه . وإذا روى عن الأعراب فإليه تقريب ابن قريب « 2 » ، وأبو عبيدة عبده الواقف بين يديه ، وإن فسّر رأيت ابن عطية منقصا ، والقرطبي لا يجد مثل بلدة الماسورة مخلصا ، أو السريري قد علل إلى بعض الدواوين منكصا ، وابن القيّم واقفا على بابه في يده العصا . مع رواية في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم وفقه ؛ كأنما طبع منه في مرآة جليّه ، ودين يعتصم به المرء ، وعدم محاباة إن لاقت به ، فلا غرور مع ما بلغه من هذا السنّ والعمر الذي تهدأ به البديهة وتسكن ، لا تخمد له قريحة ولا تطمئن به فكرة مريحة ، ولا تعزب عن ذاكرته قضية ولو كانت حقيرة أو قصيّة ؛ هبة من الله لا تكافى ولا تجدها في غيره ، ولو عددت آلافا . قرأ القرآن بالروايات ، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية ، وثغر الإسكندرية وديار مصر والحجاز ، وحصل الإجازات من الشام والعراق ، واجتهد وطلب وحصّل وكتب ، وله اليد الطولى في علوم التفسير والحديث ، والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم . وله التصانيف العديدة ، وتنيف على خمسين مصنّفا . ولّما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن
هامش
( 1 ) كثم : اقتصّ . اللسان ( كثم ) 12 / 39 . ( 2 ) يعني بذلك الأصمعي .