تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
النحاس كثيرا ، وأخذ عنه كتب الأدب . وقرأت عليه الأشعار الستة ، والفصيح لثعلب والمقصورة لابن دريد ، وشعر أبي تمام إلى آخر المديح . وكتبت عنه من أخبار العرب وأدباء الأندلس وفوائد الأئمة شيئا كثيرا . وكانت المراجعات لا تكاد تنقطع بيني وبينه . كتبت إليه : يقبل البساط المنيف ، بل البساط الشريف لا زال فوق السها « 1 » ، وفي الغاية التي لا تبلغ إلى منتهى ، ويسأل في شيء مما سمح به فكره ، وقذفه في البحر درّه من النثر الذي لا يقدر عليه في النظم المحضور بالقوافي ، المقدور بالميزان . ولا يمكن الترجيح في وزنه الوافي ؛ ليثبته في مكانه ، وينبته روحا مثمرا في بستانه والمسؤول منه ما هو من الدرّ أعلى قمة وأخف حملا ؛ مع التعجيل ببرقه المومض وودقه الذي لساعته يرفضّ « 2 » ؛ فإن الدفتر قد خرج صدره لكنه في شفافه ، والناسخ قد فتح فاه لالتقافه ، والقلم قد سابق البيان لا ختطافه ، والسمع قد علّق مقطفه لاقتطافه ، والمراد الإسراع قبل غلبة السكر بما يمنى من سلافه . فكتب إليّ يقبل الباسط ، ويقول : أشغل الخلّ أهله أن يعارا وينشد : [ الطويل ]
وبلّغت من عمري ثمانين حجة * وسبعا أرى الأشياخ ليست كما هيا
وفي عيبتي اليسرى وفي شقّ هامتي * وقلبي فكر يترك الفكر نابيا
ولا نظم إلّا بانتظام منيّتي * ولا نثر إلّا بانتثار عظاميا
أيها الإمام اكفف عن عزمك فما نحن من ضربك من باراك بالنظم حتى بأبهى درّه ، وجعلته يرفل في أسنى حبره ، فأنت أشعر هذا الجنس ، بل أنت أشعر الجنّ والإنس . إن أوجزت أعجزت ، أو أسهبت دهيت ، أو مدحت أعليت ، أو قدحت أوريت . وكتب من نثره قوله : وقد استوحش المملوك لمولانا عند التفرج في مصر ونيلها ، وحادرها وحيلها ، وبهجتها وخيرها ، والصور المتولدة بين الترك وغيرها التي يجول السحر في
هامش
( 1 ) السها : كويكب صغير خفيّ الضوء . اللسان ( سها ) 6 / 416 . ( 2 ) يرفضّ : يجري ويسيل . اللسان ( رفض ) 5 / 267 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 240 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام