منزلة الإنسان « 1 » ، والذهب الإبريز من العين . وقضت بالتمييز على ذوي التبريز ، وبالاختيار على ذوي الاختبار . تطرب الأسماع للسامع ، وتحسد العيون عليها المسامع ، وكالحميّا « 2 » شجت بماء غمامها ، والثريا علّقت في مصامها . فكأن سامعها لا لتذاذه في أغناء الفجر ، ووصل الحبيب بعد الهجر ، يتوقل « 3 » منها نوعا نوعا ، ويتعجب منها بما جمع فأوعى ، ويوشّيها ما كان مرتّقا ، وسبق إلى أعلى مرتفقا ، وأضحى بها الفرد الذي لا نظير له في الأجساد ، والأوحد الذي يرى فضله على الأنداد والأضداد .
وقوله :
وإني وإهدائي الصدف للدرر ، والوشل « 4 » للذر كمهدي البرية إليهما والنغبة « 5 » للدما .
أما السيد عينه في قديم شرف ارتجاه الأكابر باتساق رباه ، وفنيت المحابر في وصف محاسن محيّاه . تضمّخ النادي بنشره « 6 » ، وأعلن المنادي بنشره « 7 » ؛ فهو الشرف المشهد ، والمحتد الذي شرف به المشيّد ؛ ولكنها السيادة إلى مدى ما تحلت به المآثر ، وتجلب به من المفاخر ، ويظهر به من الأدب الغضّ ما يقال فيه ، كم الأول للآخر ، ولا يمكن أن يعصى الأمر ، بل يمتثل ما رسمت به الأوامر .
وكان شيخنا أبو حيّان رحمه الله قد ذللت له صعاب اللغات فاقتادها بأعناقها ، وجذبها أخذا بدائرة نطاقها . وتعدّى لغة العرب إلى العجم ، فصنّف عدة كتب في تراجم اللغات المختلفة ، والتزم فيها بالصحيح . وإن من تكلم فيها بلغه من تلك اللغات
هامش
( 1 ) الإنسان : يعني بذل إنسان العين ، وهو المثال الذي يرى في السواد ، اللسان ( أنس ) 1 / 233 .
( 2 ) الحميّا : حميّا كل شيء : شدّته وغضبه . اللسان ( حما ) 3 / 350 .
( 3 ) يتوقل : يتصعّد . اللسان ( وقل ) 15 / 376 .
( 4 ) الوشل : الماء الذي يقطر من الجبل . اللسان ( وشل ) 15 / 310 .
( 5 ) النغبة : الجرعة . اللسان ( نغب ) 14 / 218 .
( 6 ) بنشره : بعطره .
( 7 ) بنشره : بإعلان خبره .