( من غير موازاة ، ومقابلة ، وجهة ) : وعند الأشعري وأتباعه ، تلك الشرائط أسباب عادية ، فيجوز الإبصار بدونها في هذه النشأة ، كأعمى الصين يرى « بقة » الأندلس . وكل موجود ممكن الرؤية عنده ، كالأصوات ، والطعوم ، والروائح ، والألوان .
واستدلوا على جواز الرؤية بالنقل ، والعقل . أما النقل ، فلقوله تعالى ، حكاية عن موسى :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي »
« 1 » . وجه الاستدلال به أمران : الأول : أن سؤال موسى - عليه السلام - الرؤية ، يدل على إمكانها . لأن العاقل - فضلًا عن النبي عليه السلام - لا يطلب المحال . ولا مجال للقول بجهل موسى - عليه السلام - بالاستحالة ، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله لا يصلح للنبوة ، إذ الغرض من النبوة ، هداية الخلق إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة ، ولا ريب في نبوة موسى - عليه السلام - وأنه من أولى العزائم . والثاني : أنه تعالى ، علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه ، والمعلق على الممكن ممكن ؛ لأن معنى التعليق : الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق عليه ، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة . وأما العقل ، فهو أنا نرى الأعراض ، كالألوان ، والأضواء ، وغيرهما . والجواهر ، كالطول والعرض في الجسم ، فلا بد من علة مشتركة بينهما ، تكون هي المتعلق الأول للرؤية . وذلك الأمر : إما الوجود ، أو الحدوث ، أو الإمكان . والأخيران عدميان ، لا يصلحان لتعلق الرؤية بهما .
182 - فلم يبق إلا الوجود ، وهو مشترك بين الواجب والممكن ، فيجوز رؤيته عقلًا . وأنت تعلم أن القول باشتراك الوجود ، معي ينافي مذهب الشيخ ، فإنه ذهب إلى أن وجود كل شيء عينه ، وأن لا اشتراك بين الوجودات ، إلا في اللغة ، كما هو المشهور . وأوله صاحب « المواقف » بأن مراد الشيخ أنه ليس في الخارج
هامش
( 1 ) الأعراف : 143 .