139 - وأما على مذهب الحكماء القائلين بأن علمه تعالى عين ذاته ، فيبقى أن تلك الممكنات الموجودة في علم الله تعالى هل هي قائمة بأنفسها ؟ أو بذاته تعالى ؟ كما هو مبسوط في « الشفاء » . ولم يتعرض لجوابه ، بل ردد بين الاحتمالات ، وقال : إنه لا يتجاوز الحق عنها . ولم يعين أن أي الاحتمالات هو الحق . وقد تيسر لنا في تحقيق مذهبهم مقالة قد ضاعت عنا ، ولم يتفق لنا إعادتها . وعسى أن تتيسر لنا بتوفيقه تعالى .
140 - فإن قلت : على ما ذكرته من سياق مذهب المتكلمين ، يأتي الترديد المذكور ، بأن الممكنات الموجودة ، في علمه تعالى ، إما قائمة بنفسها ، أو بذاته تعالى . قلت : على أصولهم ، لا بأس بقيام الممكنات - بحسب الوجود العلمي - بذاته ، فإن الممكنات - بحسب هذا الوجود - هي العلم ، وهي في هذا الوجود متحدة .
141 - ويمكن أن يذهب إلى الاحتمال الذي أبداه بعض المتأخرين من الفرق بين : القيام بالعقل ، والحصول فيه . ويقال :
إن الممكنات حاصلة في العقل ، وليست قائمة به . وقدحنا في هذا - على ما ذكرناه في بعض تعليقاتنا - إنما هو من حيث إنه قد ذكره بعضهم بطريق الدعوى ، ولا دليل له عليه . وأما بحسب الاحتمال فلا قدح فيه ، وأنت خبير بأنه لو أجرى هذا الاحتمال على مذهب الحكماء أيضاً لم يبعد . وحينئذ تكون الممكنات موجودة في علمه ، الذي هو عين ذاته ، ولا تكون قائمة به .
142 - ولا يمكن حمل المثل الأفلاطونية على ذلك . والدليل الذي ذكر في نفيها إنما يتوجه إذا قيل بوجودها في الخارج ، كما لا يخفى على من له أدنى دراية .
143 - وهذا أقرب مما قيل : إن علمه بالممكنات منطو في علمه بذاته . لأن ذاته - على ما هو عليه من الصفات - معلومة له تعالى . ومن جملة تلك الصفات : أنه مبدأ للممكنات ، على الترتيب الواقع . فيعلم أنه مبدأ لها . فيعلمها بعلمه بذاته تعالى ، من غير أن يؤدى إلى كثرة في ذاته وصفاته . وهو يعلمها إجمالًا ، في ضمن علمه بذاته . كما أنا نعلم ذاتنا - بالعلم الحضوري - حيّاً ، قادراً ، عالماً ، وإلا لم يكن علمنا بذاتنا ، على ما هو عليه . وذلك لأن كون العلم بالعلة هو بعينه العلم بالمعلول ، من
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 82
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٢