تتسلسل الموجودات أو تنتهى إلى وجود واجب ، وكلاهما محال . قلت : قد سبق الواجب تعالى موجب بالنظر إلى صفاته الذاتية . وكما أن علمه تعالى ليس صادراً عنه بالاختيار ، كذلك وجود الحوادث في علمه تعالى . فإن ذلك الوجود عين علمه تعالى ، بالذات ، وغيره بالاعتبار ، فلا يحتاج هذا الوجود إلى سبق علمه به .
136 - ولا يخفى عليك أنه لا يمكن مثل ذلك في المعلول الأول ، على التقرير الذي قدره شارح « الإشارات » ، لأنه ليس له عنده وجودان : يكون أحدهما علمياً ، وصدوره عنه تعالى ، بالإيجاب . والآخر خارجياً ، وصدوره عنه تعالى بالاختيار .
بل له وجود واحد هو الخارجي ، هو عين علمه . والقول : بأن هذا الوجود الخارجي ، باعتبار أنه علم ، صادر عنه بالإيجاب ، وباعتبار أنه وجود خارجي ، صادر عنه بالاختيار ، تعسف لا ترضاه الفطرة السليمة ، لأن اعتبار كونه علماً ليس وجوداً آخر له ، حتى يصح كونه صادراً عنه بالإيجاب ، بل اعتبار كونه علماً هو بعينه اعتبار وجوده الخارجي ، فإنه بحسب هذا الوجود علم ، لكونه جوهراً مجرداً ، غير غائب عن مجرد . وليس له وجود آخر بحسب هذا العلم ، فإن الصورة العلمية هي بعينها الصورة الخارجية ، في العلم الحضوري . واعلم أن ما ذكرناه جار على مذهب المتكلمين ، إذ حينئذ يكون علمه تعالى غير ذاته ، وتكون الممكنات كلها موجودة في علم الله ، على سبيل الإجمال .
137 - ومعنى الإجمال : كون العلم واحداً ، والمعلوم متعدداً .
138 - وهو علم بالفعل - بجميع المعلومات - لا بالقوة ، كما توهمه بعض المتأخرين ، من التمثيل الذي ذكروه ، من حال المجيب عن مسألة ، يعلم جوابها إجمالًا . فإنه يتبادر إلى الوهم ، أنه ليس علماً بالفعل ، بل بالقوة القريبة . فإنه لو فرض أن الأمر في المثال كذلك ، فليس الحال في الممثل له هكذا . والغرض من المثال ، تقريب وتوضيح . وقد حقق ذلك في الكتب العقلية .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 81
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨١