إياه ، من غير احتياج إلى صورة مستفاضة مستأنفة تحل في ذات الأول ، تعالى عن ذلك علوا كبيراً .
124 - ثمّ لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلومات لها ، بحصول الصور فيها ، وهي تعقل الأول الواجب ، ولا موجود إلا هو معلول للأول الواجب ، كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية - على ما هي في الوجود - حاصلة فيها . والأول الواجب يتعقل تلك الجواهر ، مع تلك الصورة لا بصور غيرها ، بل بأعيان تلك الجوار والصور . وكذلك الوجود على ما هو عليه . فإذن لا يعزب عنه مثقال ذرة ، من غير لزوم محال .
125 - قلت : هذا الكلام إقناعى ، من وجوه : الأول أن ما ذكره من أنه : كما لا يحتاج العاقل في إدراك ذاته ، لذاته ، إلى صورة غير صورة ذاته ، لا يحتاج أيضاً في إدراك ما يصدر عنه لذاته ، إلى صورة غير صورة ذلك الصادر ، غير بين . وما ذكره من الاعتبارات من نفسك ، لا يفي ببيانه ، ولا بالتأنيس به ، فإن الصور العقلية القائمة بذات العاقل ، من صفات ذاته ، والذات مع سائر صفاته ، حاضرة عند نفسه ، غير غائبة عنها . وليس المعلول الأول من صفات الواجب ، حتى يكون حضوره مستلزماً لحضوره ، وإدراكه مستلزماً لإدراكه .
126 - الثاني : أن تعقل الصورة بنفسها - من غير احتياج إلى صورة أخرى - ليس لعلاقة الصدور ، حتى يقال : إذا تعلقت النفس صورة بنفسها ، مع أنها صادرة عنها بمشاركة غيرها ، فبالأولى أن لا يحتاج العاقل في تصور ما يصدر عنه لذاته - من غير مداخلة غيره فيه - إلى غيره ، بل تعقل الصورة بعلاقة الحلول ، أو بالصدور ، مع الحلول ، ولا حلول للمعلول الأول ، في الواجب ، تعالى عن ذلك . نعم لو كانت النفس عالمة ببعض ما يصدر عنها من الأمور ، غير الحالة فيها ، بدون الاحتياج إلى الصورة ، لكان مقرباً لهذا المدعى . وليس الأمر كذلك ، فإنا نحتاج في تصور الأمور الصادرة عنا ، المباينة لنا ، إلى الصورة ، كما يشهد بها الوجدان .
127 - الثالث : أن قوله : « ولا تظنن : أن كونك محلًا لتلك الصور ، شرط في
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 78
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٧٨