بحسب النظر الدقيق فامتيازه بنحو وجوده الخاص ، بمعنى أن هذا النحو من الوجود المقارن لتلك الأعراض مخصوص به . وتلك الأعراض التي تسمى ( مشخصة ) هي عنوان الشخص وعلامته التي بها يمتاز عندنا ؛ لذلك تختلف تلك الأعراض بحسب اختلاف المدرك ، فيتشخص عند بعض المدركين بعوارض مخصوصة ، وعند بعض آخر بعوارض أخر . والعوارض والمعروضات كلها لها ماهيات كلية ، فإنها جواهر وأعراض داخلة في إحدى المقولات . فإذا أدركت بالعقل ، كانت كلية باعتبار هذا الإدراك ، وإن أدركت بالآلات الجسمانية كانت باعتبار هذا الإدراك جزئية . فليست الكلية والجزئية باعتبار أن في الجزئي شيئاً داخلًا في قوامه ليس في الكلى ، بل هما نحوان من الإدراك يتعلقان بشيء واحد . وإذا كان مذهبهم ذلك ، فلا يجوز تكفيرهم فيه ، سواء كان صواباً ، أو خطأ . فإن ما ينفونه عنه تعالى هو الإدراك الشبيه بالتخيل . وهو في الحقيقة نقص في حقه تعالى ، على ما فصلوه في موضعه . فكما أن كثيراً من الصفات كمال في حقنا ، وهو في حقه تعالى نقص ، كذلك مثل هذه الإدراكات في حقه تعالى نقص ، كذلك مثل هذه الإدراكات في حقه تعالى نقص ، فلا يتعلق بهذا القدر تكفير .
116 - كما لا يتعلق التكفير بمن يقول برجوع السمع والبصر إلى العلم ، كالأشعرى ، وفلاسفة الإسلام . والتكفير الذي صرح به الإمام حجة الإسلام وغيره إنما يتعلق بمن ينفى علمه تعالى بالجزئيات ، على الوجه الذي يقضى بنفي علمه تعالى ببعض المعلومات ، كما أشرنا إليه .
117 - فإن قلت : قد تقرر عند الفلاسفة أن الفاعل بالاختيار يتوقف علمه على التصور الجزئي ، حيث قال في « الإشارات » : « الرأي الكلى لا ينبعث عنه الشوق الجزئي » . وبينه الشراح بأن نسبة الكلى إلى جميع جزئياته سواء ؛ ولذلك أثبتوا في الفلك ، وراء النفس المجردة ، قوة جسمانية ، هي مبدأ تخيل الحركات الجزئية . وربما سماها بعضهم نفساً منطبعة .
فلا يصح ما ذكرت في توجيه كلام الفلاسفة ؛ لأن مذهبهم - على ما قررت - هو أن الله تعالى فاعل بالاختيار لكل شيء ، فيلزم
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 75
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٧٥