العلم بالمعلول ، إن لم يكن كليا ، لم يمكن أن يحكم بإحاطة علم الواجب بالكل . وإن كان كليا ، وكان الجزئي المتغير ، من جملة معلولاته ، أوجب ذلك الحكم أن يكون عالماً به لا محالة . فالقول : بأنه لا يجوز أن يكون عالماً به ، لامتناع كون الواجب موضوعاً للتغير ، تخصيص لذلك الحكم الكلى ، بأمر آخر يعارضه في بعض الصور . وهذا دأب الفقهاء ومن يجرى مجراهم . ولا يجوز أن يقع أمثال ذلك في المباحث المعقولة ، لامتناع تعارض لأحكام فيها . فالصواب أن يؤخذ بيان هذا المطلب من مأخذ آخر ، وهو أن يقال : العلم بالعلة ، يوجب العلم بالمعلول ، ولا يوجب الإحساس به . وإدراك الجزئيات المتغيرة - من حيث هي متغيرة - لا يمكن إلا بالآلات الجسمانية ، كالحواس ، وما يجرى مجراها » .
114 - قلت : حاصل مذهب الفلاسفة أنه تعالى يعلم الأشياء كلها ، بنحو التعقل ، لا بطريق التخيل ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، لكن علمه تعالى لما كان بطريق التعقل ، لم يكن ذلك العلم مانعاً من فرض الاشتراك .
ولا يلزم من ذلك أن لا يكون بعض الأشياء معلوماً له ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً . بل ما ندركه على وجه الإحساس والتخيل يدركه هو تعالى على وجه التعقل . فالاختلاف في نحو الإدراك ، لا في المدرك . فإن التحقيق أن الكلية والجزئية صفتان للعلم . وربما يوصف بهما المعلوم ، لكن باعتبار العلم . وعلى هذا لا يستحقون التكفير . نعم ، لو قالوا بأنه تعالى لا يعلم بعض المعلومات - تعالى عن ذلك علوا كبيراً - لكان كفراً . ومن كفر هم حمل كلامهم على ذلك .
115 - وكذا من شنع عليهم فيه من المتفلسفين ك « أبى البركات البغدادي » بناء على ما اشتهر بين المتأخرين من أن التشخيص الذي يمتاز به الشخص عن سائر أفراد نوعه ، أمر داخل في قوام الشخص . كما أن الفصل داخل في قوام النوع . وحينئذ فالتشخص ، شخص لا نوع له ، وهو مادي ، فلا يمكن إدراكه إلا بالآلات الجسمانية ، وليس هذا مذهبهم ، فإنهم لا يثبتون في الشخص أمراً داخلًا في قوامه ، مسمى بالتشخص ، بل امتياز كل شخص عن سائر أفراد نوعه بالعوارض الخارجة ، بحسب النظر الجلى . وأما
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 74
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٧٤