علة للوجود يكون ذاته بذاته ، مبدأ لانتزاع ذلك المفهوم ، فلا يبقى نزاع بين الفريقين . قلت : القائلون بالعينية ، استدلوا على بطلان هذا المذهب ، بأن بداهة العقل حاكمة بأن الشيء ما لم يوجد لم يوجد ؛ لأن الإيجاد فرع الوجود . فلو كانت الماهية علة لوجودها ، لزم تقدم وجودها على إيجاد نفسها . فإن كان الوجود السابق عين الوجود اللاحق ، لزم الدور ، وإن كان مغايراً له ، نقلنا الكلام إليه . حتى يتسلسل ، أو ينتهى إلى وجود هو عينه . على أن البداهة حاكمة بأن الشيء لا يكون له إلا وجود واحد . فكونه بذاته مبدأ لانتزاع ذلك المفهوم ، لا يتصور بذلك الطريق . وبهذا التقرير ينكشف كثير من الشبه ، فأتقن ذلك بالتأمل الصادق .
80 - ( ولا خالق سواه ) : جوهراً ، كان المخلوق ، أو عرضاً للأدلة النقلية ، كقوله تعالى : « 1 » و « 2 » ؟ . قال إمام الحرمين في « الإرشاد » : « اتفق أئمة السلف - قبل ظهور البدع والأهواء - على أن الخالق هو الله تعالى ، ولا خالق سواه . وأن الحوادث كلها حادثة بقدرة الله ، من غير فرق بين ما تتعلق به قدرة العبد ، وبين ما لم تتعلق به » .
81 - وقال حجة الإسلام : « لما بطل الجبر المحض بالضرورة ، فإن بداهة العقل حاكمة بالفرق بين حركة المرتعش ، وحركة المختار . وبطل كون العبد خالقاً لأفعاله بالأدلة السمعية التي ذكرناها ، والعقلية المذكورة في الكتب المبسوطة الكلامية ، وجب أن يعتقد أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً ، بقدرة العبد على وجه آخر من التعلق ، يعبر عنه ب « الاكتساب » فحركة العبد - باعتبار نسبتها إلى قدرته - تسمى كسباً له ، وباعتبار نسبتها إلى قدرة الله خلقاً . فهي خلق الرب ، ووصف العبد وكسبه وقدرته ، وليس كسباً له » .
82 - وأكثر المعتزلة على أنها حاصلة بقدرة العبد وحدها . والأستاذ أبو إسحاق ، على أنها واقعة بمجموع القدرتين ، على أن تعلقهما جميعاً بأصل الفعل . والقاضي
هامش
( 1 ) الأنعام : 102 .
( 2 ) فاطر : 3 .