70 - قلت : محصول كلام الإمام الرازي : إنه - على هذا التقدير - يكون العلم حاصلًا بقدرة الله تعالى ، ويكون لازماً للنظر ، بحيث يمتنع تخلفه عنه عقلًا . والنظر أيضاً يكون حاصلًا بقدرة الله تعالى . ولا يلزم من ذلك توقف حصول العلم على النظر ، بل لزوم بعض أفعاله تعالى - وهو العلم - لبعض أفعاله - وهو النظر - ومن البين أن الأشعري لا ينكر أن لبعض لأشياء لزوماً عقليّا مع بعض ، مع أن الكل مستند عنده إلى الله تعالى . وكيف ينكر أحد من العقلاء أن العلم بأحد المتضايفين ، يستلزم العلم بالآخر . وإن تعقل الكل ، يستلزم تعقل الجزء إجمالًا ، أو تفصيلًا . وإنما ينكر التوقف على غير إرادة الله تعالى .
فكل ما يمكن تعلق إرادة الله تعالى به ، فهو ممكن الوجود ، بدون توقف تأثيره تعالى فيه على غيره . فلا يرد أن إيجاد البياض في الجسم يتوقف على إزالة السواد عنه بديهة . وقاعدة الأشعري تقتضى أن لا يتوقف عليه . وذلك لأن تعلق الإرادة بإيجاد البياض ، يستلزم تعلقها بإعدام السواد .
71 - واعلم أن تحقيق مذهب الفلاسفة ، أنه لا مؤثر في الحقيقة إلا الله ، وأن الوسائط بمنزلة الشرائط والآلات . وقد صرح به في « الشفاء » . لكنهم لا ينكرون التوقف على الوسائط . وظاهر مذهب الأشعري ينفيه .
72 - وقال الإمام في « المباحث المشرقية » : الحق عندي أن لا مانع من استناد كل الممكنات إلى الله تعالى ، لكنها على قسمين : منها : ما إمكانه اللازم لماهيته كاف في صدوره عن الباري تعالى ، فلا جرم يكون وجوده فائضاً من الله تعالى ، من غير شرط . ومنها : ما لا يكفى إمكانه ، بل لا بد من حدوث أمر قبله ، لتكون الأمور السابقة مقربة للعلة الفائضة إلى الأمور اللاحقة . وذلك إنما ينتظم بحركة سرمدية دورية . ثمّ إن تلك الممكنات ، متى استعدت للوجود ، استعداداً تامّا ، صدرت عن الباري تعالى ، وحدثت عنه . ولا تأثير للوسائط أصلًا في الإيجاد ، بل في الإعداد . قلت : هذا هو ما ذكرنا أنه تحقيق مذهب الفلاسفة بعينه . وإثباته للحركة السرمدية الدورية مبنى على مذهبهم ، كما لا يخفى .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 62
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٦٢