68 - ( وبه ) : أي بالنظر الصحيح . ( تحصل المعرفة ) : إما بطريق العادة ، من الله تعالى ، كما ذهب إليه الأشاعرة ، لما تقرر عندهم من أن جميع الممكنات مستندة إلى الله تعالى ، ابتداء . وإما بالتوليد ، كما هو مذهب المعتزلة ، وهو أن يصدر عن الفاعل فعل بواسطة فعل آخر صادر منه ، كتحريك المفتاح الصادر بسبب حركة اليد . ويقابله المباشرة ، وهي أن يصدر عنه فعل ، لا بواسطة فعل آخر . والنظر فعل اختياري ، لكن العلم من مقولة الكيف عند المحققين ، ومن مقولة الانفعال والإضافة ، عند غيرهم . فلعلهم أرادوا بالفعل هاهنا الأثر المترتب على الفعل ، وتمثيلهم بحركة المفتاح يناسبه . وإما باللزوم العقلي ، كما هو مذهب الفلاسفة ، بناء على أن فيضان الحوادث من المبدأ الفياض ، عند الاستعداد التام من القابل ، واجب عندهم .
69 - قال في « المواقف » : وهاهنا مذهب آخر اختاره الإمام الرازي : وهو أن حصول العلم ، عن النظر الصحيح ، واجب وجوباً عقليّا ، من غير تولد عنه ، فإن بداهة العقل حاكمة بأن من علم أن العالم متغير وكل متغير حادث . وحصل في ذهنه - هاتان المقدمتان مجتمعتين على هذه الهيئة ، وجب أن يعلم أن العالم حادث . وأما أنه غير متولد من النظر ؛ فلأن جميع الممكنات مستندة إلى الله تعالى ابتداء ، ولا يصح هذا المذهب ، مع القول باستناد جميع الممكنات إلى الله تعالى ابتداء ، وكونه قادراً مختاراً . وقال السيد الشريف - قدس سره - : إنما يصح ، إذا حذف قيد الابتداء في استناد الأشياء إليه تعالى ، وجوز أن يكون لبعض آثاره مدخل في بعض ، بحيث يمتنع تخلفه عنه عقلًا ، فيكون بعضها متولداً عن بعض ، وإن كان الكل واقعاً بقدرته تعالى ، كما يقول به المعتزلة في أفعال العباد الصادرة عنهم بقدرتهم . ووجوب بعض الأفعال عن بعض لا ينافي قدرة المختار على ذلك الفعل الواجب ، إذ يمكنه أن يفعله بإيجاد ما يوجبه ، وأن يتركه بأن لا يوجد ذلك الموجب ، لكن لا يكون تأثير القدرة عليه ابتداء ، كما هو مذهب الأشعري . وحينئذ يقال : النظر صادر بإيجاد الله تعالى ، وموجب للعلم بالمنظور فيه ، إيجاباً عقليّا ، بحيث يستحيل أن ينفك عنه .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 61
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٦١