والسلبية ، بقدر الطاقة البشرية . وأما معرفة الله تعالى بالكنه فغير واقع عند المحققين . ومنهم من قال بامتناعه ، كحجة الإسلام ، وإمام الحرمين ، والصوفية ، والفلاسفة . ولم أطلع على دليل منهم على ذلك ، سوى ما قال أرسطو - في « عيون المسائل » - : إنه كما تعترى العين عند التحديق في جرم الشمس ظلمة وكدرة تمنعها من تمام الإبصار ، كذلك تعترى العقل عند اكتناه ذاته حيرة ودهشة تمنعه عن اكتناهه . وهو كما ترى كلام خطابي ، بل شعري . وقد يستدل على امتناعها بأن حقيقة الله تعالى ، ليست بديهية ، والرسم لا يفيد الكنه ، والحد ممتنع ، لأنه بسيط . ووجه ضعفه ظاهر ، لأن البساطة العقلية تحتاج إلى البرهان ، وعدم إفادة الرسم الكنه ليس كليا ، إذ لا دليل على امتناع إفادته الكنه في شيء من المواد وعدم البداهة بالنسبة إلى جميع الأشخاص يحتاج إلى دليل ، فربما يحصل بالبداهة بعد تهذيب النفس بالشرائع الحقة ، وتجريدها عن الكدورات البشرية والعوائق الجسمانية . والأحاديث الدالة على عدم حصولها كثيرة ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « ما عرفناك حق معرفتك » و « تفكروا في آلاء الله ، ولا تفكروا في ذات الله ، فإنكم لن تقدروا قدره » . قال أبو بكر الصديق :
« العجز عن درك الإدراك إدراك » ! . وقد ضمنه المرتضى « 1 » كرم الله وجهه ، فقال : « العجز عن درك الإدراك إدراك ، والبحث عن سر كنه الذات إشراك » ! .
57 - ( واجب شرعاً ) لقوله تعالى :
« فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ »
« 2 » ، و
« قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 3 » . ولقوله عليه الصلاة والسلام - حين نزل :
« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) الشريف المرتضى ، علي بن الحسين ( 355 - 436 ه / 966 - 1044 م ) رأس الشيعة الإمامية في عصره . ومن أئمة المتكلمين في العدل والتوحيد . تتلمذ على إمام المعتزلة القاضي عبد الجبار بن أحمد ( 415 ه ) . وخالفه في الإمامة . . وخلف آثاراً هي من أمهات مراجع التشيع والأدب .
( 2 ) الروم : 50 .
( 3 ) يونس : 101 .
( 4 ) آل عمران : 190 .