46 - وعلى هذا ينبني البرهان المشهور على إثبات الواجب من غير توقف على إبطال الدور والتسلسل ، فإن محصله أنه لو ترتبت الممكنات إلى غير النهاية فكل واحدة من السلسلة مستندة إلى علتها الموجودة فيها . وأما المجموع فعلته : إما نفس المجموع ، أو جزؤه ، أو خارج عنه . والأول والثاني باطلان ، على ما بُيِّن في موضعه . فتعين الثالث . والخارج عن جميع الممكنات هو الواجب تعالى . ولا قدح في هذا الدليل إلا بأن نختار استناد المجموع إلى جزئه على ما فصلناه في بعض رسائلنا .
47 - فعلم أن المتعدد الأقل ، جزء من المتعدد الأكثر . وما يتوهم من أنه ليس هناك إلا الآحاد فاسد مخالف لحكم العقل .
48 - فإن قلت : فعلى ما ذكرت يلزم أن تكون معلومات الله متناهية ، وإلا انتقض البرهان . قلت : لو كان علم الواجب بالأشياء بصور مفصلة لكان الأمر كما ذكرت ، لكن ذلك ممنوع ؛ لجواز أن يكون علمه تعالى واحداً بسيطاً ، كما ذهب إليه المحققون ، فلا تعدد في المعلومات بحسب علمه تعالى . فلا يتصور التطبيق في معلومات الله . ولذلك ذهبت الفلاسفة إلى أن علم الله تعالى إجمالى ، وذهب بعضهم إلى نفى علمه تعالى بالأشياء غير المتناهية . وتحقيق علم الله تعالى يستدعى بسطا في الكلام لا يحتمله هذا المقام .
49 - فإن قلت : معلومات الله غير متناهية ، سواء كان العلم المتعلق بها واحداً أو متعدداً ، فيجرى التطبيق في المعلومات .
قلت : على تقدير حدوث العالم تكون الممكنات المتصفة بالوجود الخارجي متناهية ؛ لأن الحوادث لها مبدأ ، والحوادث الاستقبالية لا تبلغ مبلغ اللاتناهي ، فإنها ليست غير متناهية ، وإن كانت غير واقعة عند حد ، فالتطبيق إن كان بحسب وجودها في علم الله تعالى ، فهي هناك متحدة غير متكثرة . وإن كان بحسب وجودها في الخارج ، فهي متناهية .
50 - واعلم أن المتكلمين ينفون الوجود الذهني ، ويثبتون علم الله تعالى بالحوادث غير المتناهية . ولما كان من أجلى البديهيات أن التعلق بين العالم والمعدوم
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 54
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٥٤