ويلزم من توارد الحوادث غير المتناهية ، عليه ، أن لا توجد له تلك الحالة ، بل مقارنته دائماً مع بعض الحوادث . والمنافاة : بين دوام المقارنة مع بعض الأفراد ، والسبق على كل فرد من الحوادث ، بديهية .
26 - قلت : هذا بداهة الوهم ، لا بداهة العقل ، فإن تقدم القديم على كل فرد من أفراد الحوادث إنما يستلزم كون القديم متحققاً في الزمان السابق على كل فرد منها ، وإن كان مقارناً لفرد آخر منها . وهاهنا لما كان القديم موجوداً مع انتفاء كل فرد من الحوادث ، إذ ما من فرد منها إلا والقديم موجود قبله مع الحادث السابق عليه ، فيتحقق تقدمه على كل فرد منها ، مع دوام المقارنة لفرد آخر منها . وإنما يلزم ما ذكره لو لزم سبق القديم على جميع ما يصدق عليه الحادث في زمان واحد ، وهو ليس كذلك ، بل إنما يلزم ذلك في الحوادث المتناهية . وأما غير المتناهية فيتحقق تقدم القديم على كل فرد منها ، مع دوام المقارنة لفرد منها . وذلك ظاهر .
27 - وقد اعترض عليه بأن المنافاة بين دوام المقارنة ، مع بعض الأفراد ، والسبق على كل فرد ، إنما تلزم لو استلزم حدوث كل فرد حدوث الكل المجموعى ، الذي هو عين الأفراد الموجودة ، وليس كذلك ، وأنت تعلم فساده ؛ لأن حدوث كل فرد يستلزم حدوث المجموع ، فإن كل فرد جزء من المجموع ، وحدوث الجزء يستلزم حدوث الكل ، بديهة . وكأنه توهم أن حدوث الكل المجموعى إنما يتحقق بأن لا يكون شيء من آحاده موجوداً أصلًا ، ثمّ يوجد ، وهو توهم بعيد .
28 - وقد قدح بعض الفضلاء في مذهب الفلاسفة بأن وجود الماهية ليس إلا في ضمن الأفراد ، وهم قائلون بحدوث كل فرد من أفراد الحوادث ، فيلزم عليهم حدوث ماهيتها ، فلا يتصور قدم النوع ، مع حدوث كل فرد . قلت : هذا كلام سخيف ؛ لأن مرادهم من قدم النوع أن لا يزال فرد من أفراد ذلك النوع موجوداً ، بحيث لا ينقطع بالكلية . ومن البين أن حدوث كل فرد لا ينافي ذلك أصلًا . وليت شعري ما ذا يقول هذا القائل في الورد الذي لا يبقى فرد منه أكثر من يوم أو يومين ، مع أن الورد باق أكثر من شهر أو شهرين . وبديهة العقل تحكم بأن لا فرق بين المتناهى في مثل هذا الحكم .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 49
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٩