لغة يطلق على من أراد التكلم ، بل وشرع فيه فأمسك رجل لسانه ، انه تكلم ، ما لم يتم كلاماً لفظياً ، مع أن هذه الصفة النفسية قد حصلت له البتة ، بل إنما يقال - حقيقة : أراد الكلام . والمكابرة في هذا من الغباوة . نعم العرف واللغة انما يطلق ( المتكلم ) على من أحدث صوتاً بلسانه أو مخارجه المخصوصة ، ضرورة ان من أحدث أصواتاً حرفية بين ضاغطين خارجين عنه لا يقال له متكلم ، وذلك ضروري ، وأما ان رجلًا طول يومه ما حرك لسانه ، ثمّ انه أقر بعد ذلك بأنه همّ بأن يتكلم فامتنع أو منع ، فليس لنا أن نخبر عنه بأنه تكلم بما همّ به . فليس الكلام ، لغة أو عرفاً ، ما هو في الفؤاد ، كما زعموا : وقول الشاعر : ان الكلام لفي الفؤاد . . الخ ، فالقرائن قائمة على أن ليس المراد منه الاخبار بأن الكلام هو الصور الخيالية التي يعقبها النطق ، بل المراد إفادة أن كل متكلم فإنما ينطق عن أخلاقه وأحواله الذاتية الكائنة في نفسه ، ولفظة إنما هو دليل على ما انطوى عليه ، كما يعطيه ذوق الكلام ، على أنه لو كان كذلك . فما علمنا إلا أن لفظ ( الكلام ) يطلق على ما قام بالفؤاد ، أي القلب ، أو العقل ، أو ما تريد فسمه ، وأما أنه يطلق على صفة حقيقية سوى هذا ، ومباينة له في الحقيقة ، أي ليست أمراً ، ولا نهياً ، أو ليست قائمة بفؤاد ، ولا عقل ، فمن أين علمناه ؟ إلا أن يكون بوضع جديد ، ولا دليل عليه ، أو مجاز ، ولا فرق بين مجاز ومجاز .
ثمّ ان اجماع الأنبياء على اطلاق لفظ لا يقتضي أن يكون المراد منه ما هو موضوعه الحقيقي ، ضرورة انه قد وقع الاجماع على أن للَّه يداً ، وانه على العرش استوى ، كما تواتر عن الأنبياء ، وعن نبينا ، وليس المراد حقيقته بالضرورة ، فليكن هذا الاجماع كذلك ، وان المتكلم مجاز في مخترع الكلام للاختصاص . وأيضاً : ان النصوص انما تعتبر حقائقها بعد عدم القرينة العقلية ، على خلاف الحقيقة ، فكان من الواجب أن يبحث أولًا : هل يجوز أن يكون للَّه صفة هي الكلام ، حتى يرتب عليه أن المراد من اطلاق هذا اللفظ ، تلك الصفة ؟ ، وهو لم يتكلم في ذلك . والمانع ببرهانه قائم .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 484
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٨٤