إذا تحققت هذا ، فاعلم أن الباري تعالى الذي هو أعلى من أن تقع التغيرات في ذاته أو صفاته ، المبرأ عن حكم الضرورة والمجبورية ، إنما يفعل الفعل ، ويكون عنه الفعل ، بغاية ما ، وإلا لم يكن مختاراً ، أو كان الترجح بغير مرجح .
وانما يفعله لغاية هي أعظم الغايات ، بحيث لا يتصور فوقها غاية ، وإلا لزم الجهل ، أو العبث ، أو السفه . ومجرد ترتبها على الفعل ، بدون قصدها ، غير كاف في دفع الاستحالة . فان ما يترتب على عمل من أعمالك ، بدون قصد منك اليه ، لا يعد منك حكمة ، بل رمية بغير رام . فلا يقال لمتخبط ، قتل عقرباً ، بحركات تخبطه : إنه حكيم بذلك العمل . على أنه لا فرق بين عدم القصد ، وعدم العلم ، في الحقيقة ، لمن تأمل نوعاً ما من التأمل .
وبالجملة : فلا يمكن أن يصدر فعل الحق إلا لما هو من الغايات أحق ، وان كان في نظر الجاهل ليس كذلك .
ثمّ انا نقول : من الواجب أن لا تعود تلك الغاية على الذات بالكمال ، بل إنما تعود إلى الغير بالاكمال . فإن كان المراد من النفي في قوله : ( لا غرض لفعله ) . نفي الغرض اللغوي العرفي ، فذلك : نعم . وان كان يريد نفي مطلق الباعث ، فذلك :
هو نفي الاختيار ، المنزه عنه الباري . وأما ما أورده من أن الغرض : إما أن يكون حصوله بالنسبة إلى الفاعل أولى من عدم حصوله ، أو لا يكون . والأول يستلزم الاستكمال بالغير ، والثاني يستلزم أن لا يكون غرضاً ، سواء كان ذلك الأمر للغير ، أو للذات ، فهو مغالطة نشأت من الغلط في أنه : هل يقال للحاصل للغير أولى أن يحصل للفاعل ؟ أوليس يقال ؟ . فنقول : هو أولى أن يحصل للغير . ولا يقال : ان ما هو أولى أن يحصل للغير يلزم أن يكون أولى بأن يحصل للفاعل ، كما هو ظاهر . بل غاية ما يقال : ان ايجاد الفاعل ذلك المفعول لغيره أولى من عدم إيجاده . فنقول : نعم ، ايجاد الفاعل لهذا الفعل أولى من عدم ايجاده بحسب ، الواقع ونفس الأمر . وهذا محل وفاق . وكيف يقدم عاقل - له إلى اللَّه جانب - على القول بأن اللَّه ليس له مقصد في أفعاله ، بل هي حاصلة منه أيّاً ما كانت ؟ !
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 472
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٧٢