تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
186 - ( وإن عاقب فبعدله ، لأنه لا حق لأحد عليه . . . الخ ) . أقول : انظر إلى هذه التعاليل الركيكة ، المستهجنة عند النفوس السليمة ، التي لا ينبغي أن تذكر في جانب ناقص العدالة ، منثلم الاقتدار ، فضلًا عن مبدأ الكمال وغايته ، التي محصلها أنه لما استبد بالمالكية ، ووقع العالم في قبضته ذليلًا ، تحت قهره ، أخذ يتصرف فيهم بما يريد ، مما يضر ولا ينفع ، بدون ملاحظة مصلحة تعود اليه ، أو إليهم ، يهلك ويشن الغارة على مستحق البر والاحسان ، وينعم ويفيض أنواع الخيرات على مستحق الويل والنكال ، بدون مراعاة شيء ما في الطرفين سوى هذه الإرادة . إن هذه إلا شناعة زلت بها الأقدام ، ناشئة عن الجهل بمقام الربوبية ، وتصوره على وجه يلائم طبع القائل . ولكن ما خطر ببالك ، فاللَّه بخلاف ذلك .
( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ )
« 1 » . فانظر بعين الحق والوجدان ، ترى ان الكل بفضله تعالى ، حتى العقاب والنكال ، فإنه يتعالى شأنه عن التشفي وهيجان دم الغضب ، من حيث ما يعود اليه . بل تلك الآلام والأنكال إنما هي مما يعود إلى ذات المُعذَّب المُعاقَب بالصلاح . ولكن المريض لا يدرك الصحة في شرب الدواء ، والمزمن مرضه قد لا يظن بالطبيب إلا أنه لا يريد به إلا الايلام ، ولا يعلم أن لولاه لهلك ، بأتم مما تكلم هو عليه . فسبحانه ، فضله وعدله سواء ، وأمرهما عائد الينا بالخير والمنفعة ، من حيث لا نعلم ، إلا من وفقه اللَّه تعالى ، وفتح له باب الحق والمعرفة ، فإنه يتحقق بما ذكرنا ، ولا يرى حالًا من الأحوال التي يكون عليها إلا وفيها خيره ، وإن بلغت منه قصارى الألم . ولذلك أسباب تبين في موضع آخر . فهذا الموفق العارف ، منعم بآلامه ، مسرور بأحزانه ، إذ لا يعلم من الحق إلا ما فيه الخير ، فأنى له الضير ؟ فهو بكل حال راض عن الحق ، والحق راض عنه ، فدقق النظر تندفع عنك شكوك المحجوبين القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه .
هامش
( 1 ) - الصافات : 180 .