تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
بقي النظر في تفاصيل الواجب بهذا المعنى ، وما الذي قام عليه البرهان منه ؟ وما الذي لم يقم ؟ . فقد قدمنا صفات كثيرة يجب أن تكون له تعالى . والذي يعنينا في هذا الموضع ما يتعلق بفعله تعالى ، فنقول : قد قطع البرهان بأن الواجب لا يجوز أن يكون عابثاً في أفعاله ، بل لا بد أن تكون مبنية على الحكمة التامة . وانه ليس شيء مما يبرز في عالم الوجود بقاصر عن مصالح ، لولاها لم تكن في الوجود . بل ربما كان يختل به نظام كل موجود ، كما يعلمه المحقق . فإذا التفتنا إلى تعداد تفصيل هذه الحكم والمصالح ، فقد ندرك الحكمة بوجه ، وقد لا ندركها . فعدم إدراكنا لها لا يوجب عدمها ، لما قام من البرهان . فقول المعتزلي : ( يجب على الله الأصلح ) ، ان كان يريد به ما ذكرنا ، فنعم ، ولا خلاف لأصحابنا معه ، خصوصاً الماتريدية ، لأنهم لا يجوزون العبث عليه تعالى ، وان كان يريد أنه يجب عليه ان يراعي مصالح ، على حسب ما نحن نفهمه ، وندركه . فذلك ضرب من الجهالة ، كأنه يريد أن يضرب لله قانوناً ، لا يجوز للَّه تجاوزه على حسب عقله السخيف . وأما ما قال في اللطف : فإن كان يريد ان الله تعالى لا يجوز ان يكلف أحداً بدون أن يعلمه بأنه مكلف ، أي بدون إرسال رسول . أو يكلفه بالطيران بدون أن يكون له أجنحة ، فذلك مسلم ، إذ العاجز عن شيء عجزاً مطلقاً لا يصح تكليفه ، والتوجه إلى المجهول المطلق ، محال . وهذا تشهد به البداهة ، فلا داعي لأخذه بأطراف النزاع . وان كان يريد ان التكليف ، بذاته ، واجب ، فالاعلام به واجب ، فبعثة الأنبياء واجبة مثلًا . فهذا موقوف على إحاطته بتمام المصالح المترتبة عليه ، والمفاسد المترتبة على عدمه ، فليبينها حتى ننظر فيها . وان كان يريد انا لما علمنا وقوع بعثة الأنبياء والتكاليف ، وكانت هذه من الأفعال الإلهية ، والأفعال الإلهية لا تكون إلا الحكمة ، فقد وجب العلم بأنها واجبة في الواقع ونفس الأمر ، لما أنها لحكمة . فذلك نظير أن تقول : إنه لما علم وجود زيد ، علم أن اللَّه كان عالماً به ، فكان وجوده واجباً . وهذا ليس من المطالب العلمية ، ولكن لا شناعة في إطلاق الوجوب بهذا المعنى ، في جانب الباري ، وان كانت الشناعة في الدعاوى غير البيّنة .