بمعنى الإحاطة غير مقبول ، على أنه لو كان ، لكان في النظر ما يقاومه .
وتأيدت آية الاثبات بأحاديث صحيحة .
ثمّ استمر الأمر في السلف على اجماله ، حتى أخذ الناس يتناوشون البراهين ، فانكشف لديهم أن الواجب ليس بجسم ولا جسماني ، ولا رسم له ، ولا جهة ، ولا شكل ، ولا صورة ، فيستحيل أن تقع عليه الرؤية بالوجه ، التي هي به عندنا ، واتفق الكل على ذلك ، فان الرؤية ، بما هي عليه في الشاهد ، يستحيل أن تتعلق إلا بما هو جسماني كثيف تقع عليه أشعة الضياء ، أو بما هو مضيء بذاته أو بغيره ، ثمّ افترقوا في مقالاتهم . فمنهم من أخذ بطرف الاثبات ، لكن لا على هذا الوجه المعروف عندنا . والآخر طرف النفي ، مستدلًا بما يترتب على هذا الوجه المعروف . فعلمنا من ذلك : ان ليس النزاع بينهم في أمر محصل ، فان صاحب الاثبات نفى جميع لوازم الرؤية ، ما عدا الانكشاف . وصاحب النفي إنما ينفي لوازم هذه الرؤية المألوفة ، ولا ينكر أن يكون هناك إدراك متعال عن الادراكات الاحساسية ، فضلًا عن غيرها ، فهب انه بأية قوة كانت ،
( وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ )
« 1 » . فالأول : قائل بما قال الخاص : فاما أن يدرك وجوده بالاستدلال ، أو بغير الاستدلال . واسم المشاهدة يقع على إدراك ما يثبت وجوده في ذاته الخاصة بعينها ، من غير واسطة الاستدلال ، فان الاستدلال على الغائب ، والغائب ينال بالاستدلال ، وما لا يستدل عليه - ويحكم مع ذلك بما يثبته بلا شك - فليس بغائب ، فهو شاهد . فكل موجود ، وليس بغائب ، فهو شاهد . وإدراك الشاهد ، هو المشاهدة : اما بمباشرة وملاقاة ، وأما من غير مباشرة وملاقاة . وهذا الأخير هو الرؤية . والحق الأول يتعالى عن شوائب الغيبة بذاته عن أبناء عالم التقديس ، وانما الغفلة من غشاء أدران العادات ، وغطاء عالم الطبيعة فان رفع الحجاب ، وانقشع النقاب ، وقفت على حقيقة الحقائق ، بدون احتياج إلى الاستدلال .
( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )
« * » .
فقد يدرك الحق بدون استدلال ولا ملاقاة ، وهو الرؤية ، فالحق مرئي لذوي الكمال
( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ )
« * * » . عبده .
الثاني ، وليس النزاع بينهم إلا مجرد اللجاج ، ومقالات الخِداج « 2 » ، خصوصاً ما قد يتمسك به من الأوضاع اللغوية التي لا تفيد في مجال البراهين . وليس التكلم مع الفريقين إلا تضييع الوقت فيما لا يفيد ، بل الواجب علينا هو الايمان بأن اللَّه يرى - كما أخبر - على وجه منزه عما هو من خواص الحوادث ، وليكن بأيّة قوة من قوانا ، أو بقوة جديدة يخلقها اللَّه في ذلك الوقت ، في أي عضو من أعضائنا ، وان كان القلب .
* * *
هامش
( 1 ) - النحل : 8 .
( 2 ) - مفردها ، خدوج ، أي : الناقص .
( * ) ق : 22 .
( * * ) الرحمن : 78 .