وهذا البرهان يسمى عند القوم ( ببرهان التمانع ) . وحاصله - على ما أوردوه - : انه لو كان هناك إلهان تاما القدرة والإرادة وجميع الكمالات ، لصح لكل منهما إيجاد كل ممكن ، في كل زمن . إذ جميع الممكنات ، بالنسبة إلى إرادة كل منهما ، متحد النسبة ، ولا إباء في ذات الممكن عن قبول تعلّق الإرادة والقدرة بها ، من أي واحد من المريدين القادرين . فاذن يجوز أن يصدر من أحدهما : حركة زيد في وقت معين ، ويصدر من الآخر : إرادة سكونه ، في هذا الوقت بعينه ، لما علمت من عدم الاباء المذكور ، بحسب الذات . فقد جاز أن يقع بينهما تمانع ، فلو فرض وقوعه : فاما أن يحصل مرادهما معاً ، كما هو مقتضى تساويهما في الكمال ، فيجتمع الضدان ، أو يحصل مراد أحدهما فقط دون الآخر ، فيلزم عجز الآخر ، فلا يكون مساوياً لمن حصّل مراده ، في الكمال ، فقد كان ما هو أرقى منه ، فلا يكون إلهاً ، بل النافذ الأمر هو الإله . هذا خلف . أولًا يحصل مراد واحد منهما ، فيلزم عجزهما ، وتخلف مراد كل عن إرادته ، وهو عين النقص في الألوهية ، وهو خلاف المفروض أيضاً . فإذن على فرض وقوع التمانع يلزم أمور كلها محالة ، فهو محال ، والمحال إمكانه محال ، فما استلزم إمكانه ، وهو تعدد الإله ، محال . وهذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريره ، على طريقهم .
وعليه أن يقال : لو فرض إلهان تاما الكمال ، من جميع الوجوه ، لم يكن بينهما تمانع ، وإلا لزم المحالات المذكورة بعين ما استدللتم . وليست الاستحالة من طرف القابل ، وهو الممكن ، بل من طرف الفاعل ، وهو الالهان البالغان غاية الكمال ، فيكونان واجبي الاتفاق ، وتكون قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية في خلق ما يريد . 2121 - ( وليس من كمال الألوهية إرادة كل ما يمكن أن يوجد ، فانا نتصور كثيراً من الممكنات كايجاد صورة كذا ، في وقت كذا ، مثلًا - ومع ذلك يمضي الوقت ولا يوجد هذا الممكن . فإرادة كل ما يمكن ليست من كمال الألوهية ، بل الكمال ايجاد كل ما يراد . فيجوز ان يريد كل واحد منهما طائفة من الممكنات . وبحسب إرادته تتعلق إرادته ، ولا تتعلق بالطائفة الأخرى ، بل تتعلق بها إرادة الآخر وقدرته ، فافهم ) . عبده .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 451
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٥١