وجوده في الأزل لامتناع التخلف . وعلى الثاني : يحتاج المعلول إلى أمر آخر سوى هذا التعلق ، وهو خلاف المفروض .
على أنا ننقل الكلام إلى ذلك الأمر ، لأنا نقول : القدرة تؤثر على وفق الإرادة ، وقد تعلقت الإرادة بوجوده في وقت معين ، فلا يوجد إلا فيه . فإن قيل : لا بد من اختيار أحد شقى التردد الذي أوردناه . قلنا : إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده في الأزل ، فنختار أنه ليس كذلك ، وإن أردتم أنه متمم لعلة وجوده في ما لا يزال . فنختار أنه كذلك . ولا تلزم أزليته . ولا احتياجه إلى أمر آخر .
كما أن الفاعل المختار ، إذا أراد إيجاد جسم ما على صفة معينة ، كالطول والقصر ، يوجد المعلول بهذه الصفة فكذا هاهنا . لما تعلقت إرادة الفاعل المختار بوجود الحادث . لم يتصور إلا كونه حادثاً . والحاصل : أن المعلول إنما يوجد بإرادة الفاعل المختار على النحو الذي تتعلق به إرادته . سواء كان مقارناً لوجوده أو متأخراً عنه .
14 - وقد يقال : إن الأزل فوق الزمان . ومعنى كون الشيء أزليا ، أن يكون الشيء سابقاً على الزمان . فالواجب تعالى ، لما كان متعالياً عن الزمان ، لا يوصف بكونه في الزمان ، كما لا يوصف بكونه في المكان ، فلا شيء غيره في الأزل . وإنما يوجد ما يوجد على حسب ما تتعلق به الإرادة الأزلية ، من تخصيص الممكنات بوجودها بأوقاتها ، والزمان من جملة الممكنات .
وقد تعلقت الإرادة الأزلية بوجوده المتناهى . وليس الله تعالى متقدماً عليه بالزمان ، إذ الواجب تعالى ليس بزمانى حتى يقال : إنه متقدم على غيره بالزمان .
15 - فإن قيل : لا شبهة في أن الإرادة القديمة بذاتها ليست كافية في وجود الممكن ، وعلى فرض أن تكون كافية يلزم قدم الممكن ، فلا بد من تعلقها . وحينئذ لا يخلو هذا التعلق من أن يكون : حادثاً ، أو قديماً . وعلى الأول : يلزم التسلسل ؛ لأنا ننقل الكلام إلى سبب هذا التعلق ، حتى يلزم التسلسل . وعلى الثاني : يلزم قدم الممكن الذي تعلقت به الإرادة . فقد أجيب عنه ، تارة : بأن التعلق أمر عدمي ، فلا يحتاج إلى أمر يخصصه بوقت دون وقت . ولئن سلم ، فالتسلسل في الأمور الاعتبارية ، وهي التعلقات ، غير ممتنع .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 45
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٥