تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
ولكن هذا الاعتراض خارج عن هذا الباب ، فكان يجب ايراده في باب : ( لا خالق سواه ) ، مثلًا . ثمّ أقول - في الجواب عنه - : ان ما كان أولى لأن يكون في الكل ، لا يلزم أن يكون أولى بأن يكون في الجزء . مثلًا : من بنى لنفسه بيتاً فمن الأولى له : أن يكون من ضمن ذلك البيت ( الكنف والاصطبلات ) ، وغير ذلك من الأمكنة الخسيسة . وان يكون من ضمنه القصر المشيد ، والأماكن المزينة المعدة للجلوس والدراسة وغير ذلك ، ولكن لا يصح أن يريد من كل منها ما يريد من الآخر ، بل كل الأمر يخصه ، لا يليق أن يكون في الآخر . وان من رضي الإصطبل ، أو الكنيف ، متنزهاً لنظره ، ومدرساً يتعلم فيه العلوم ، فقد سفه نفسه ، وأغضب رب المنزل ، حيث لم يضع لكل ما يليق به . فالكفر والمعصية - أي الأفعال المخالفة لما جاءت به الشرائع ، وان صدرت عن الحق تعالى باختياره ، وهي أولى أن تكون في عالم الوجود - لكن ليس يلزم من ذلك أن تكون أولى بنا ، بحيث نرضاها لأنفسنا ، فان حقيقة الكفر ليس إلا : الجهل المركب أو البسيط بالحق تعالى ، وما يليق به . وهذا هو مدار الشقاوة الأبدية . والأفعال المخالفة للشريعة منحصرة : في الاضرار بالنفس ، أو بالغير ، وهو مدار الشقاوة الدنيوية والأخروية . ومنشأ هذه الفعال ليس إلا الجهل بما يليق ، وما لا يليق ، وما يترتب عليه الخير ، وما ينشأ عنه الضير . وهذا الجهل يليق أن يكون في البهائم والجمادات ، حتى يتم الانتفاع بها . حيث إن الحق تعالى خلقها لنا :
( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً )
« 1 » . فنحن نرضاه ان يصدر عن الحق تعالى ، ويجب علينا الرضا به ، ولكن لا يصح أن نرضاه لأنفسنا . فتأمل . - 17 - . * * *
هامش
( 1 ) - البقرة : 29 . -