وذلك المرجح في الفاعل المختار لا يكون إلا الإرادة ، كما سبق . فوجب - اذن - أن تكون إرادته متعلقة بكل كائن ، حتى تكون قدرته متعلقة بكل كائن أيضاً ، فهو مريد لجميع الكائنات ، أي أنه المخصص لها بأوقاتها وأحوالها . وذلك - كما ترى - سواء قلنا : بأنه الفاعل في الكل ، كما برهنا عليه سابقاً ، أو : انه الفاعل في البعض ، والبعض بفعل غيره ، كما يقول المعتزلة ، فان كون الشيء مقدوراً لشيء - بمعنى انه يصح له ان يفعله - لا ينافي ان يكون مقدراً لشيء آخر كذلك .
اللهم إلا إذا قام البرهان على أنه لا خالق سواه - كما بيّنا - فاندفع ما قالوه هنا .
* * * 156 - ( ومن جملة الممكنات : الشر والمعصية والكفر ، فيكون تعالى مريداً لها ، خلافاً للمعتزلة . . . الخ ) .
أقول : لما تبين شمول إرادته للممكنات ، أخذ ينبه على دخول ما كان يتوهم عدم دخوله تحت حكم الإرادة ، وهو الشرور والمعاصي .
وقد خالف فيه المعتزلة ، محتجين :
أولًا : بأن الشرور والمعاصي غير مأمور بها - أي مأمور بتركها ، من باب إطلاق الأعم وإرادة الأخص ، أو إطلاق اللازم وإرادة الملزوم ، والقرينة ظاهرة ، والمأمور بتركه مراد تركه - فلا تكون مرادة ، لأن إرادة الترك تنافي إرادة الفعل ، كما هو ظاهر ، ولما كان المأمور بتركه مراداً تركه ، فلا يكون هو مراد ، لأن الإرادة مدلول الأمر - والمدلول لا يتخلف عن الدال - ولازمة له فلا تتخلف عنه .
وثانياً : بأنها لو كانت مرادة لوجب علينا الرضا بها ، لكن التالي باطل . أما الملازمة فلأن من سخط ما تريد كونه ، فقد سخطك ، ولا يجوز لعبد أن يسخط ربه ، فيجب علينا ان نرضى ما يريده سيدنا ، حيث لا يجوز لنا أن نسخطه ، ونكون
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 435
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٣٥