تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
ومن البين أن الإرادة إنما تكون بعد العلم ، لما ان المجهول من وجه ما ، لا تتعلق الإرادة به عن ذلك الوجه ، وكيف ينبعث الفاعل لفعل ما لم يكن قد تصوره ؟ وهذا قد حكمت به البداهة . فاذن إرادة كل جزء إنما تكون بعد تخصصه من جميع جهاته ، سوى الوجود الخارجي ، أي ما ينتزع عنه الوقوع . وما قبله التخصص لا يكون به التخصص . فالعلم هو المخصص ، سواء قلت : إنه علم تصوري ، أو علم تصديقي ، إذ العلم التصوري في هذا الموضوع يستلزم التصديقي ، كما هو ظاهر ، فان من علم الشيء جزئياً فقد علم أنه يكون في زمن كذا ، في مكان كذا ، بوصف كذا ، وهذا العلم - على هذا الوجه - إن لم نقل بلزومه لذات الواجب ، كان الجهل ببعض الممكنات جائزاً عليه تعالى ، لذاته ، بل واقعاً . وهو محال ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً . إن قلت : إنّا لا نريد من الجزء إلا ما هو ذات خاصة في نفسها ، بقطع النظر عن كونها في زمان معين ، فاني أعلم زيداً بشخصيته وهو عندي متعين ، وان وقع في أي زمان ، وعلى أي شأن ، وكذلك أتصور لنفسي عملًا خاصاً ، ثمّ أتردد في أي الأزمان أبرزه ، فالخصوصية الذاتية لا يلزم فيها خصوصية الزمان . قلت : كأنك بهذا تزعم أن الحق تعالى علم الأشياء صوراً مجردة بدون ترتيب السابق منها واللاحق ، ثمّ أخذ بإرادته يرتبها ويوزّع كلًا على زمن . فلا أُطيل معك في إبطال هذا ، فإنك لا تشك في بطلانه . ولكن أليس من الأعراض الموجودة - كالحركات مثلًا - ما يتحد موضوعه وفاعله ، ثمّ يقع الاختلاف بين جزئياته ، بالأزمان ، كحركتين لعضو واحد ، من فاعل واحد ، تخللهما سكون ؟ . فان مناط التغاير بينهما ليس إلا كون كل منهما حدث في زمان سوى ما حدث فيه الآخر ، فكان الزمان معتبراً في تمام الامتياز الذي هو مناط الجزئية ، وأيضاً فان صورة خاصة ، على أوصاف خاصة ، لو كان لها أن توجد في زمانين يتخللهما زمن لم تكن فيه ، لكانت في كل منهما بوجود خاص ، وهو عين التشخص أو مساوق له ،
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 432 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده / سيد هادي خسروشاهي