وهي انه صنع قمراً ، يرتفع عن الأرض نحو فرسخ ، ويضيء إلى أربعة فراسخ ، ويستمر كذلك إلى الصباح ، ثمّ عند الصباح يغيب ، ثمّ يطلع في الليل ، وهكذا ، وهذا الرجل كان بعد الاسلام .
فإن كان الشيخ الكلنبوي يذعن للخوارق المقترنة بالدعوى ، فلِمَ لم يؤمن بهذا الرجل ؟ ولكن العذر له ، فإنه كان من القسم الثاني يعتقد بغير روية - 15 - ففي ابن خلكان أنه أظهر صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهر من موضعه ، ثمّ يغيب وقد ذكر هذا القمر أبو العلاء المعرّى في قوله :
أفق ، انما البدر المقنع رأسه * ضلال وغي مثل بدر المقنع
وإليه أشار أبو القاسم ، هبة اللَّه بن سناء الملك ، الشاعر ، في قوله :
إليك فما بدر المقنع طالعاً * بأسحر من ألحاظ بدر المعمم
واسم هذا الرجل « عطاء » وقيل « حكيم » . عبده ولا نظر . - 16 - ثمّ ان ما ادّعاه ان الأنبياء لم يشتغلوا بإقامة البراهين على الألوهية ، فاعلم أن الأنبياء لم يبعثوا إلى الجهلة خاصة ، كما سمعت ، بل إلى البله والعلماء ، فهم يبدءون بدعوى النبوة ، حتى تفزع إليهم نفوس العلماء ، والصديقين ، وأرباب البصائر ، ثمّ يبرهنون على الإلهيات ، حتى ينقاد إليهم الجهال على بصيرة من العلم . وليت شعري ! ! إذا كان مجرد الخارق كافياً ، فلِمَ كان النبي يحثّ على الفكر والنظر ؟ وجاء القرآن محشواً بالأدلة والبراهين الدالة على وجود الحق تعالى ، ووحدانيته وقدرته ، وإرادته ، وعلمه ، إلى غير ذلك من الصفات المقدسة ؟ وكذلك جميع الأنبياء ، كانوا على هذا النمط .
فلعل هذا الرجل لم يبلغه القرآن ، أو كان تركي اللسان ، لا يفهم معناه ! .
وليكن هذا كافياً لك في التنبيه على الحق ، والإشارة اليه .
ثمّ في النبوات كلام نوراني يتعالى عن فنون الجدل ، فاطلبه من الصدور ، لا من السطور .
* * *