إرادة اللَّه
153 - ( مريداً لجميع الكائنات . . . الخ ) .
أقول : ومما ثبت بمقدمة : ( إن اللَّه متصف بجمع صفات الكمال ) . كونه تعالى مريداً لجميع الكائنات . ولكون مريداً وصف انتزاعي ، يعتبر بعد الإرادة ، كما هو ظاهر . فله تعالى صفة الإرادة . وهي صفة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع ، أي توجب للفاعل المتصف بها ان يرجح بالإصدار أثراً من الآثار ، مع - 16 - ( وكما أنه قد جرت عادة الحق ، بأن يخلق علماً يقينياً في نفوس الجهّال ، عند مشاهدة الخوارق . بدون نظر . فقد جرت عادته بأن يخلق النظر والفكر والبحث والتنقير في نفوس العلماء عند مشاهدة الخوارق أيضاً . فلو كان مجرد الخارق ، بالشرائط التي قد اعتبروها ، موجباً للعلم بطريق العادة ، بعد النظر والفكر فيه . لما تردد أحد في خوارق العادات ، ولا قائل به ، وكم من مشاهد أثراً عظيماً لم يصدق به . حتى وقف على حقيقة أمره ، فافهم ) . عبده . تمكنه من أن يفعل كلا منهما ، وهي تغاير القدرة والعلم ، فان العلم : ما يوجب انكشاف الأشياء عند العالم ، والقدرة : ما يوجب له صحة أن يفعل ، وان لا يفعل . وليس شيء منهما بمأخوذ فيه إيجاب التخصيص المذكور .
قالوا - في الاستدلال على تلك المغايرة - : ان نسبة الضدين ، كقيام زيد وجلوسه ، إلى قدرته تعالى سواء ، فان القدرة صفة بها يتمكن من أن يفعل ، وان يترك . وكل من الأمرين الممكنين له أن يفعله ، وله ان لا يفعله ، لذاته ، إذ كما يمكن أن يقع بقدرته أحد الضدين يمكن أن يقع بها الضد الآخر ، لاتحاد علّة المقدورية في كل منهما . فكل من هذين الأمرين المعلومين له تعالى بالعلم التصوري الشامل لكل ذي مفهوم . نسبتهما إلى الأوقات على السواء . إذ كما يصح أن تكون ذات هذا المفهوم واقعة في هذا الوقت ، يصح أن تكون واقعة في الوقت الآخر . وكذا مفهوم الضد الآخر - كما قال - كما يمكن ان يقع في وقته الذي وقع فيه ، يمكن ان يقع في وقت قبله ، أو بعده . ومن الضرورة ان الشيء ما لم يتعين عند الفاعل أحد طرفيه المستويين لا يمكن ان يصدر عنه . فلا بد من صفة للفاعل سوى هاتين الصفتين