اقترن بدعوى مدع ، فإنه لا بد أن ينظر إلى الدعوى - 14 - أولًا ، يطلب تصور أطرافها ، على وجه الوجود في الخارج ، حتى يتمكن من الحكم بالنفي أو الاثبات . ثمّ يرجع بالنظر ثانياً ، في دليل تلك الدعوى ، هل ينتجها ؟ أو لا ينتج ؟ . فان وقف على كل ذلك ، حكم ، وإلا فلا ، بناء على ما هو دأبه ، من أنه لا يأخذ بشيء إلا بعد - 14 - ( رأي ان ذلك النظر والتنقير أمر يخلفه اللَّه بحكم العادة في الناظر عند رؤيته للخارق ، بحيث لا يمكن عادة أن يصدق إلا بعد نظره ، وترتيب مقدماته ، والانتقال منها إلى النتيجة ، على أي وجه كان . وان كان قد يختلف في ذلك الترتيب ، والانتقال ، بالسرعة والبطء . ألا وان عقول العقلاء شاهدة بأن تصديق هذا الناظر بدون نظر من خوارق العادات ، كما تراه بنفسك في العالم .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ )
. فافهم . عبده . سبره ، وتنقير على قدر إمكانه . فإذا ادّعى لديه مدع : أني أنا رسول اللَّه ، فلا بد ان يتصور موضوع القضية ، ومحمولها ، على وجه يصح ثبوته . فهو في تصور موضوعها يكتفي بالمشاهدة ، فإذا انتقل إلى المحمول ، نظر إلى معنى الرسول في ذاته ، ثمّ إلى معنى لفظ الجلالة ، ما هو ؟ وهل له وجود أو لا ؟ وأي دليل يدلنا على ثبوته ؟ وهل بعد ثبوته يتصور منه الارسال بالمعنى الذي تصوره ؟ أو لا يتصور ؟ فلو أيقن بأن المضاف اليه ، غير متحقق رأساً ، أو متحقق ، ولكن لا يتحقق منه الارسال بوجه من الوجوه . أيقن بكذب المدعي ، بلا ريب في ذلك ، ولو خرق العادة وشق السماء . ثمّ بعد تحقيق أطراف هذه القضية ، وأن هذا أمر يمكن ثبوته في ذاته ، ينتقل إلى النسبة التي بين الموضوع والمحمول ، وهي نسبة الرسالة إلى هذا المدعي الخاص ، ويطلب الدليل . فإذا أظهر المدعي خارقاً من الخوارق ، نظر اليه هذا المحقق المؤسس بعين النقد ، ويقيسه إلى قوانين الطبيعة . فان وجد أن هذا من الأسباب الطبيعية الصناعية التي يتمكن منها المرشد والضال ، علم بأن هذا الرجل عالم بأمر جزئي من أسرار الطبيعة ، وانه ليس بواجب الاتباع ، وان رأى أن هذا أمر فوق الطبيعة ، وانه لا سبيل اليه إلا من عالم الروحانيات ، فينظر ان هذا الرجل : هل هو خيّر في ذاته ؟