ثمّ نقول : ان بني نوع الانسان ، الذين جاءت الأنبياء لارشادهم ، ينقسمون إلى قسمين :
أولهما : أرباب الأفكار العقلية ، وأولو الاستبصار والمعارف .
والثاني : أصحاب الأفكار العملية فقط ، الذين لم يكن لأنظارهم تطاول إلى الأمور العقلية . بل ليس لهم من العمل الفكري إلا بمقدار ما يكفي لتعيشهم بأدنى تعيش . فهذا القسم الثاني ، أي من لا استبصار لهم ، إذا رأى أحدهم أمراً - 13 - ( فان زعم أن المعجزة بنفسها ، ليست برهاناً . قلنا : نعم ، لكن بها يتقوّم البرهان ، كما في العالم ، فإنه ليس هو البرهان ، لكن به يتقوّم البرهان ، فانا نستدل من العالم على صانعه بالبرهان . فكذا المعجزة يستدل منها على صدق ما ظهرت على يديه ، كالاستدلال من العالم على الصانع بدون فارق .
وكما يطلقون الدليل على المركب من المقدمات ، يطلقونه على ما يستدل به ، كالأثر على المؤثر ، أو العكس . بل إن الارتباط بين الأمور الخارقة وبين التصديق ، لصدق مبدئها ، بيّن بالفطرة والعادة ، فإنه عند مشاهدتها ينتقل ذهنه إلى أن هذا الفعل العظيم لا يقدر على مثله إلا الرجل العظيم ، الذي قد انطوى على ما لم ينطو عليه غيره ، حتى أظهر ما لم يكن يظهره غيره . فهو صادق في دعوى أنه منطو على نبوة ، أو روحانية ، أو ما يشبه ذلك ، على حسب الادعاء . الا أن المقدمات تختلف بالصحة والبطلان والبداهة والنظر . فرب مقدمة يظنها - بحسب الملاءمة الظاهرية - منتجة ، وليست بمنتجة . وشياطين ورب هيئة كذلك . وكم من قضايا تحققها العادات وهي مزيفة لدى البصائر . وقضايا تزيفها العادات وهي محققة في الواقع . فمن ثمّ بينوا طريقاً خاصاً للاستدلال بالمعجزة ، لعلمهم ان ما عداه مخدوش ، وغير صحيح ، كما في سائر الدعاوى والبراهين ، فافهم ) . عبده . خارقاً لعادته التي ألفها واعتادها في بلده ، أو فيما يسمع من جيرانه ، خصوصاً ان كان قد سمع بأن مثل هذا الفعل إنما يصدر عن أرباب الأرواح المتصرفة ، أو ما يشبه ذلك . وكان هذا الأمر مقترناً بدعوى من المظهر لهذا الخارق ، أيّ دعوى كانت ، فان اللَّه تعالى يخلق بحكم العادة ، عقب هذه الرؤية فيه ، علماً قطعياً بأن هذا صادق في دعواه ، بدون التفات إلى الارتباط بين المدعى والدليل . ولا نظر إلى كون هذا المدعى مضلًا أو هادياً . وكون هذا الخارق أمراً حقيقياً ، أو شعبذياً خيالياً . وعلى كونه أمراً حقيقياً ، هل من الطبيعيين من يقدر على إبداء مثله ، أولًا ، إلى غير ذلك .
لجهله بطرق الاستدلال . فهو كأعمى بلا قائد ، يمشي حيث سلكت به قدمه ، من غير شعور بأن هذا الطريق ينجر به إلى مهواة تهلكه ، أو إلى مقصد كان يطلبه . وهو ظان بأنه إلى المقصد ، بل قاطع به ، لا يختلج في صدره احتمال خلاف ذلك . وهذا حق يشهد به العيان ، والتواتر ، فإننا نراهم ينكبون على أرباب الجهالات ، خوارق عادات ، وهم مع ذلك يصدقونهم في مدعياتهم الكاذبة . ومثل هذا التصديق والجزم لا يعد ايماناً يُعْبأ به عند اللَّه تعالى ، ويكون مدار سعادة الدارين ، فإنه ينقلب بتقلب أرباب الادعاء ، ولا تفرقه فيه بين المرشد ، والمضل ، ولا بين السحر ، والمعجزة . فيتنزه شرع اللَّه عن أن يكون مبنى اعتقاده على مثل هذا الجزم .
والقسم الأول : أي أرباب الأفكار العقلية ، إذا رأى أحدهم أمراً خارقاً قد
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 426
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٢٦