حال دعوى هذا الشخص للنبوة واستدعائه للتصديق . وكلما خالف المختار عادته - حين استدعاء النبي التصديق - بأمر يخالف عادة ذلك المختار ، دلّ ذلك على تصديق النبي قطعاً عادياً . والمقدم واقع ، لما تقدم من أن المعجزة فعل اللَّه مخالف للعادة ، حين استدعاء النبي التصديق . فالتالي واقع ، وهو أن هذا الأمر دال على صدق هذا النبي .
وهذا الطريق موقوف على أنها فعل اللَّه . ولا يمكن إثباته إلا باثبات شمول فعله ، وشمول فعله مستلزم لشمول قدرته ، بل وإرادته وعلمه ، إذ لو لم يكن فعله وقدرته عامين ، لم يكن لنا دليل على أن خصوص هذا الفعل الخارق من أفعاله تعالى ، وان زعمه المعتزلة قائلين : ان للناظر عند صدور المعجزة قرائن وأحوالًا ترشده إلى أن الفعل فعل اللَّه .
فان هذا زعم بغير برهان وأما احتمال أن هذا فعل اللَّه في الواقع ، فلا يجدي ، فان المقام مقام إثبات ، لا مقام تجويز .
وحاصل الكلام : انه لا طريق عندنا لإثبات الرسالة إلا المعجزة ، والمعجزة حادثة من حوادث العالم ، فلو لم نعلم بأن كل حادث فإنما صدوره من الواجب ، لم يكن لنا علم بأن حادثاً خاصاً ، هو المعجزة ، صادر من الواجب تعالى .
فانا لما جوزنا أن يصدر عن غيره صوادر ، فلنجوز ان هذا الصادر الخاص - أي المعجزة - صادر عن غيره . فلا بد لنا على أن من وقعت على يديه مرسل من عنده ، إذ لا نسبة بين الدال والمدلول حينئذ . فالعلم بالإرسال موقوف على العلم بعموم فعله . فلو لم يحصل هذا العلم إلا من طريق الإرسال ، لدار .
إن قلت : قد يدلنا عظم الصادر ، وكونه ليس مما يصدر عن الخلق في العادة ، على أنه صادر من الواجب تعالى ، بدون توقف على علم بعموم الفعل ، كما يقول المعتزلة .
قلت : تلك الدلالة موقوفة على أن نحيط بجميع أفراد الموجودات ، سوى اللَّه تعالى ، ونعلم حدّ ما تقف عنده قواها ، في التأثير ، حتى نعلم أن مثل هذا الأثر ،
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 423
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٢٣