150 - ( فهو تعالى قادر على جميع الممكنات . . . الخ ) .
أقول : لما بين كلمة الاتفاق ومناط الاختلاف ، في المدعى ، أخذ يبين الدليل على ثبوته على كلام المشربين . فقال :
إذا تحققت معنى القدرة ، وما ابتنى عليه ، فاعلم أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، أما كونه قادراً على الممكن ، فلأن قدرته من لوازم ذاته ، سواء كانت زائدة على ذاته ، أو من اعتبارات ذاته . والمصحح للمقدورية وقبول التأثير من المؤثر ، هو الامكان ، إذ معنى كون الشيء ممكناً أنه ليس له الوجود من ذاته . وليس في ذاته ما يمنع الوجود ، بل يقبل التأثر بأحدهما عن الغير . وإذا كان الواجب قادراً والممكن قابلًا ، وليس من ذاته أن ينافي أحد الأثرين ، فالواجب تعالى له أن يفيض الوجود على الممكن . وله أن لا يفيض ، عند المتكلم ، أو إن شاء أفاض وإن لم يشأ لم يفض ، عند الحكيم ، على ما فيها .
وأما عموم قدرته للجميع ، فلأنه إذا ثبتت قدرته على البعض ، فقد ثبتت قدرته على الكل . لاتحاد علة القبول في الممكن ، ولزوم القدرة للذات الواجب . وأيضاً ، لأن الامكان مشترك بين جميع الممكنات ، ولا بد للممكن أيّاً كان من أن ينتهي إلى الواجب . وقد ثبت أن الواجب مختار ، لأنه عالم ، والمختار لا محالة قادر ، فكل ممكن ينتهي لا محالة إلى القادر ، وما كان مقدوراً بعلله ، فهو مقدور بذاته ، فقد عمت قدرته جميع الممكنات ، وأيضاً العجز عن الفيض على القابل ليس إلا لمانع غير ذاتي ، فيكون لذلك المانع يد على الواجب ، حتى منعه ، فيكون عجزاً ، وهو عليه تعالى محال .
أما الاستعداد وعدمه فلا يعدّ مانعاً ولا غير مانع ، بل يعد كأنه من تمام حقيقة الممكن ، أو لاتمامها .
ولسنا نطلب إلا كون الباري تعالى له الفعل والترك ، أو ان شاء فعل ، وإن لم يشأ لم يفعل . وان كان لذلك لوازم تستصحب عند الايجاد ، خصوصاً والكل من تأثيره ، فلا يعدّ شيء مانعاً ، بل ذلك تخصيص منه وإحكام . وهذا عام لكل ممكن . فلا تلتفت لما هوس به الحواشي هنا .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 420
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٢٠