بعضها عن بعض ، وهو قد يكون عين العالم ، بأن يكون نوراً ظاهراً مظهراً ، قائماً بذاته . وقد يكون أمراً قائماً ، فيكون العالم في ذاته مظلماً . ويكون نورانياً بقيام ذلك النور به . ولما كان ذاته تعالى نور الأنوار ، كان ذاته بذاته ، في أجل مراتب الظهور لذاته ، ولا تكون الغيبة في ذاته أصلًا ، فتكون ذاته : عالماً ، وعلماً ، ومعلوماً ، من غير تكثر واثنينية ، أصلًا بالذات ، ولا بالاعتبار ، ثمّ ان ذاته بذاته مصدر للمعلول الأول . ومصدريته - أي الجهة التي تخصص صدوره عنه ، بوجه مخصوص - نفس ذاته . فيكون علمه بذاته ، الذي هو علم بالمصدرية ، مشتملًا على العلم بالمعلول الأول بجميع وجوهه ، واعتباراته لكونه صادراً عنه من كل وجه - مندمجاً علمه في علم المصدرية ، من غير تكثر ولا تعدد إلا بالاعتبار ، وإلا لم تكن المصدرية ، التي هي الذات ، معلومة بالوجه الأكمل . وكذلك المعلول الثاني ، والثالث ، وهكذا إلى غير النهاية . فيكون علمه تعالى ، الذي هو عين ذاته - وهو نور الأنوار - يظهر به ويتجلى كل ما هو في سلسلة المبدئية ، كلياً كان أو جزئياً ، دفعة . وكذلك الصفات والاعتبارات اللاحقة لتلك المعلولات - لكونها بهذه الصفات والاعتبارات - صادرة عنه ، ومصدريته لها مقتضية لاتصافها بتلك الصفات . فعلمه تعالى علم بسيط ، مشتمل على العلم بجميع الأشياء ، لا كاشتمال الكل على الجزء ، بل كاشتمال العلم البسيط - الذي يحضر من سئل عن مسألة - على التفصيل الذي يقع بعده . وهذا معنى ما وقع في عبارة الشيخين أنه منطو على العلم بالكل انطواء النواة على الشجرة . ثمّ لما كان هذا العلم مبدأ للعلم بالأسباب والمسببات ، من حيث إنها أسباب ومسببات ، كان العلم التفصيلي المترتب عليها علماً فعلياً ، لوجود جميع الموجودات الواقعة في سلسلة المبدئية على الترتيب الذي تقتضيه العناية الأزلية . أي كان علمه بذاته - من حيث مصدريته للمعلول الأول - علماً فعلياً ، سبباً لوجوده ، وعلمه الحضوري بالمعلول الأول - من حيث مصدريته للمعلول الثاني - سبباً لوجوده ، وهكذا الحال في الموجودات الواقعة في سلسلة المبدئية . فكان وجود تلك المعلولات - مع ما تشتمل من الصفات والاعتبارات - في
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 408
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٠٨