142 - ( ولا يمكن حمل المثل الأفلاطونية . . . الخ ) .
أقول : نقل عن أفلاطون ، وكثير من المثاليين ، انهم أثبتوا أربعة عوالم من أعيان الموجودات : ( أحدهما : عالم الغيب المطلق ، وهو حضرة الألوهية ، والآخر : عالم الشهادة ، وهو عالمنا هذا . وبينهما عالمان آخران : أحدهما : أقرب إلى الأول ، وهو عالم العقول ، والنفوس الكلية ، والجزئية . والثاني : أقرب إلى الثاني ، ومنه ما يشاهد في النوم ، والمرايا والأجسام الصيقليّة ، في اليقظة . والأول ، وما يقرب منه معقولات . والثاني ، محسوس . وما يقرب منه ، واسطة بين المعقول ، والمحسوس ، وسموه عالم المثل ، قالوا : ان هذا العالم ليس في تجرد المجردات ، ولا في مخالطة الماديات . وفيه - لكل وجود ، من المجردات والماديات ، من الجواهر والاعراض ، حتى الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات ، والطعوم والروائح - مثال قائم بذاته ، معلق لا في مادة ومحل ، يظهر للحس بمعونة مُظْهِر ، كالمرآة والماء ، وقوة الخيال ، ونحو ذلك . وينتقل من مظهر إلى آخر . وقد يبطل ظهوره ، عن فساد المُظْهِر ، أو عدم المقابلة ، أو عدم التخيل . وبالجملة . هو عالم عظيم الفسحة والاتساع ، غير متناه ، يحذو حذو العالم الحسي في دوام حركة أفلاكه المثالية ، وقبول عناصره ومركباته آثار حركة أفلاكه ، وإشراق العالم العقلي عليه .
وهذا ما قال الأقدمون : ( ان في الوجود عالماً مقدارياً ، غير العالم الحسي ، لا تتناهى عجائبه ، ولا تحصى مدنه . ومن جملة تلك المدن ( جابلقا ) و ( جابرصا ) . وهما مدينتان عظيمتان وهميتان . لكل منهما ألف باب ، لا يحصي ما فيهما إلا اللَّه تعالى . ومن هذا العالم يكون ظهور الملائكة والجن ، والشياطين ، والنفوس الناطقة التي قد فارقت أبدانها الظاهرة فيها . وبه تظهر المجردات بصور مختلفة ، بالحسن ، والقبح ، واللطافة ، والكثافة ، وغير ذلك ، بحسب استعداد القابل ، والفاعل . وعليه بنى بعضهم أمر المعاد الجسماني ، فان البدن المثالي الذي تتصرف فيه النفس ، حكمه حكم البدن المحسوس ، في أن له جميع الحواس الظاهرة والباطنة . فيلتذ ، ويتألم ، باللذات والآلام ) . انتهى ما نقل عنهم .
التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية — صفحة 400
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٠٠